اتفاق ما بعد الحرب.. هل خسرت واشنطن معركة الردع؟

مذكرة ترامب وبزشكيان تثير جدلاً حول تراجع النفوذ الأمريكي

أعادت “مذكرة التفاهم” التي وقعها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ونظيره الإيراني “مسعود بزشكيان”، لإنهاء الحرب التي اندلعت بين البلدين، إشعال نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والأكاديمية في “الولايات المتحدة” و”إسرائيل” بشأن نتائج المواجهة وتداعياتها الاستراتيجية، وبينما قدمت الإدارة الأمريكية الاتفاق باعتباره خطوة نحو إنهاء الصراع، يرى عدد من الباحثين والمحللين أن مخرجات الحرب عكست واقعاً مختلفاً، يتمثل في تراجع قدرة “واشنطن” على فرض إرادتها العسكرية والسياسية في “الشرق الأوسط”، مقابل تعزيز موقع “إيران” الإقليمي والدولي.

انتقادات إسرائيلية وقلق أمريكي..

خلال الحلقة الأولى من بودكاست “أبعاد”، استعرض الباحث في الدراسات الأمنية “أحمد مولانا” سلسلة من المواقف الإسرائيلية والأمريكية التي انتقدت “نتائج الحرب” و”مذكرة التفاهم اللاحقة”، وأشار إلى تصريحات مسؤولين وباحثين اعتبروا أن المواجهة انتهت بصورة لا تحقق الأهداف التي أعلنتها “واشنطن” و”تل أبيب” عند اندلاعها.

ومن بين أبرز الأصوات المنتقدة، برزت مواقف شخصيات إسرائيلية رأت أن الحرب انتهت بمنح “إيران” مكاسب سياسية واستراتيجية بدلاً من إضعافها، فيما حذرت مقالات ودراسات أمريكية من أن الأزمة كشفت حدود القوة الأمريكية وأثارت تساؤلات حول قدرة “الولايات المتحدة” على الاستمرار في أداء دور الضامن الأمني الرئيسي في المنطقة.

إيران المستفيد الأكبر..

من جانبه، رأى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور “عمار فايد” أن الحصيلة النهائية للحرب تصب في مصلحة “إيران” بصورة واضحة، معتبراً أن “مذكرة التفاهم” أعادت المشهد إلى ما كان عليه قبل اندلاع القتال، بل وأتاحت لـ”طهران” الحصول على مكاسب إضافية.

وأوضح أن القضايا الأساسية التي كانت “واشنطن” تضعها في صدارة أهدافها، وعلى رأسها “البرنامج النووي الإيراني” و”القدرات الصاروخية” و”شبكة الحلفاء الإقليميين”، لم تشهد تسويات جوهرية أو تنازلات إيرانية حقيقية، ووفق هذا التقييم، فإن الحرب انتهت دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي بررت اندلاعها من الأساس، الأمر الذي عزز الانطباع بأن “إيران” تمكنت من الصمود وانتزاع مكاسب سياسية من المواجهة.

أزمة ردع تتجاوز ساحة الحرب..

لم تقتصر تداعيات الحرب على نتائجها العسكرية أو السياسية المباشرة، بل امتدت إلى أحد أكثر الملفات حساسية في الاستراتيجية الأمريكية، وهو “ملف الردع”.. وخلال النقاش في البودكاست، اعتبر الدكتور “عمار فايد” أن الخسارة الأبرز التي تكبدتها “واشنطن” تتمثل في تآكل مصداقية القوة الأمريكية وقدرتها على فرض إرادتها وتحقيق الأهداف التي أعلنتها عند اندلاع الحرب.

وأوضح أن خطورة المشهد لا تكمن في حجم الخسائر الميدانية، بقدر ما ترتبط بالرسائل التي التقطها الحلفاء والخصوم على حد سواء، بعد أن انتهى الصراع دون تحقيق الأهداف الرئيسية التي رُفعت تحت شعارها الحرب، ورأى أن ما جرى يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهات مشابهة مستقبلاً وفرض نتائجها السياسية، الأمر الذي قد يدفع العديد من القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم رهاناتها على الضمانات الأمريكية، ويؤثر في مكانة “واشنطن” كقوة قادرة على الردع وحماية حلفائها في مناطق النفوذ التقليدية.

تداعيات دولية وفرصة للصين..

رأى الدكتور “عمار فايد” أن الأزمة الإيرانية كشفت عن مأزق يواجه الاستراتيجية الأمريكية، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص انخراطها المباشر في المنطقة وتوجيه مواردها السياسية والعسكرية نحو احتواء الصعود الصيني، وأوضح أن التعثر في تحقيق أهداف الحرب أعاد استنزاف جزء من الجهد الأمريكي في “الشرق الأوسط”، كما أثار تساؤلات لدى الحلفاء بشأن قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الاستراتيجية.

ووفق هذا المنظور، فإن تراجع الثقة في المظلة الأمريكية قد يفتح المجال أمام قوى منافسة، وفي مقدمتها “الصين” و”روسيا”، لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية، كما أن نجاح “إيران” في الصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية يمنح “بكين” دفعة معنوية واستراتيجية، باعتباره مؤشراً على تراجع فعالية أدوات الهيمنة الأمريكية التقليدية في إدارة الصراعات وفرض التوازنات الدولية.

تحالفات جديدة واختبار صعب للاتفاق..

في تقييمهم لمستقبل المرحلة المقبلة، أشار الضيفان إلى أن استدامة “مذكرة التفاهم” لا تزال محل اختبار، في ظل الشكوك المرتبطة بالتزام الأطراف المختلفة ببنودها، إضافة إلى احتمالات قيام “إسرائيل” بمحاولات سياسية أو ميدانية لإعادة خلط الأوراق، كما لفت النقاش، إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على إعادة تشكيل لخريطة التحالفات، مع بروز ثلاثة اتجاهات رئيسية، تتمثل في محور تقوده “إسرائيل” لتعزيز موقعها الإقليمي، وتنسيق إقليمي يضم “تركيا” و”السعودية” و”مصر” و”باكستان”، إلى جانب محور إيراني تمكن من استعادة جزء مهم من زخمه بعد الحرب.

ويخلص هذا التقدير إلى أن تداعيات الصراع قد تتجاوز حدود المواجهة العسكرية نفسها، لتطال شكل العلاقات الإقليمية وطبيعة ارتباط دول المنطقة بـ”الولايات المتحدة”، في وقت تتنامى فيه قناعة لدى بعض العواصم بأن النفوذ الأمريكي لم يعد يمر حصراً عبر البوابة الإسرائيلية كما كان يُنظر إليه خلال العقود الماضية.

اترك تعليقا