من قاعات الطب إلى الرئاسة تكريم بزشكيان بباكستان

في ظل تقارب متزايد بين طهران وإسلام آباد

منحت كلية الأطباء والجراحين الباكستانية (CPSP) الرئيس الإيراني  مسعود بزشكيان  زمالة فخرية خلال زيارته الرسمية إلى إسلام آباد، في خطوة أثارت اهتمام الأوساط الطبية والسياسية على حد سواء، نظراً إلى الخلفية المهنية للرئيس الإيراني باعتباره طبيباً وجراح قلب قبل دخوله معترك السياسة، وكذلك لتوقيت التكريم الذي جاء في ظل تقارب متزايد بين طهران وإسلام آباد بعد الدور الباكستاني في جهود التهدئة الإقليمية الأخيرة.

طبيب في قصر الرئاسة

يُعد بزشكيان من الشخصيات النادرة في الشرق الأوسط التي جمعت بين العمل الطبي والعمل السياسي على أعلى المستويات. فقد تخرج في جامعة تبريز للعلوم الطبية، ثم تخصص في جراحة القلب، وعمل لسنوات طويلة في القطاع الصحي الإيراني قبل أن يتولى مناصب حكومية عدة، أبرزها وزارة الصحة الإيرانية بين عامي 2001 و2005. كما شغل لاحقاً منصب النائب الأول لرئيس البرلمان الإيراني قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 2024.

ويرى مراقبون أن هذه الخلفية الطبية كانت عاملاً رئيسياً في قرار منحه الزمالة الفخرية، إذ اعتادت المؤسسات الأكاديمية والطبية حول العالم تكريم الشخصيات التي قدمت إسهامات مهنية أو دعمت تطوير التعليم والقطاع الصحي.

ما هي الزمالة الفخرية؟

تُعد كلية الأطباء والجراحين الباكستانية من أعرق المؤسسات الطبية في جنوب آسيا، وتشرف على برامج تدريب وتخصص الأطباء في عشرات المجالات الطبية والجراحية، ويُنظر إلى زمالتها باعتبارها من أعلى المؤهلات المهنية الطبية في باكستان.

وتمنح الكلية أحياناً “زمالة فخرية” لشخصيات بارزة تقديراً لإسهاماتها الاستثنائية في مجالات الطب أو التعليم الطبي أو دعم الخدمات الصحية. وقد سبق أن منحت هذا التكريم لشخصيات وطنية ودولية بارزة في ظروف استثنائية.

لماذا اختارت باكستان بزشكيان؟

بحسب متابعين للشأن الباكستاني، فإن قرار منح الرئيس الإيراني الزمالة الفخرية لا يرتبط فقط بسيرته المهنية كطبيب وجراح، بل يعكس أيضاً تقديراً لدوره في تعزيز التعاون الصحي والعلمي بين البلدين.

ويقول المحلل الباكستاني الدكتور حسن عسكر رضوي إن “اختيار بزشكيان يحمل بعداً أكاديمياً واضحاً لأنه طبيب متخصص قبل أن يصبح رئيساً، لكنه في الوقت نفسه يحمل رسالة سياسية إيجابية تؤكد رغبة إسلام آباد في توسيع التعاون مع طهران في مختلف المجالات”.

أما الباحث الإيراني الدكتور صادق زيبا كلام فيرى أن التكريم “يمثل اعترافاً دولياً بمسيرة بزشكيان المهنية، ويعزز صورته كرئيس قادم من خلفية علمية لا من المؤسسة العسكرية أو الأمنية”.

أبعاد دبلوماسية تتجاوز الطب

جاء منح الزمالة خلال زيارة وصفت بأنها مهمة في العلاقات الإيرانية الباكستانية، حيث التقى بزشكيان كبار المسؤولين الباكستانيين لبحث ملفات التجارة والطاقة والأمن الحدودي والتطورات الإقليمية. كما جاءت الزيارة بعد دور باكستان في رعاية الجهود الدبلوماسية المرتبطة بمذكرة إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور رسول بخش رئيس أن “الجامعات والمؤسسات الأكاديمية غالباً ما تستخدم التكريمات الفخرية كأداة للقوة الناعمة، وبالتالي فإن منح الزمالة لبزشكيان يحمل رسالة ترحيب سياسية بقدر ما يحمل تقديراً علمياً”.

ويضيف أن “إسلام آباد تسعى إلى إظهار أن علاقاتها مع طهران لا تقتصر على الملفات الأمنية والحدودية، بل تمتد إلى التعليم والبحث العلمي والصحة”.

ردود فعل داخل إيران

في إيران، لقي الخبر اهتماماً واسعاً لدى الأوساط الأكاديمية والطبية. واعتبر عدد من المعلقين أن التكريم يعكس المكانة المهنية للرئيس الإيراني الذي حافظ طوال مسيرته السياسية على ارتباطه بالقطاع الصحي.

في المقابل، رأى بعض المحللين أن القيمة الرمزية للحدث تتجاوز الجوانب الأكاديمية، خاصة أنه جاء في وقت تعمل فيه طهران على تعزيز علاقاتها الإقليمية وإعادة بناء جسور التعاون مع دول الجوار بعد فترة من التوترات.

البعد الصحي في العلاقات الثنائية

شهد التعاون الصحي بين إيران وباكستان نمواً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجالات التعليم الطبي وتبادل الخبرات والبحوث العلمية. ويعتقد خبراء أن تكريم بزشكيان قد يفتح الباب أمام مشاريع مشتركة بين الجامعات والمراكز الطبية في البلدين.

ويقول الخبير في السياسات الصحية الدكتور محمود أياز إن “التعاون الطبي يعد من أقل مجالات التعاون تأثراً بالخلافات السياسية، ولذلك يمكن أن يشكل منصة مستدامة لتعزيز العلاقات الثنائية”.

رسائل إلى الداخل والخارج

يحمل منح الزمالة الفخرية للرئيس الإيراني ثلاث رسائل رئيسية. الأولى أكاديمية، تتمثل في الاحتفاء بطبيب وصل إلى أعلى منصب سياسي في بلاده. والثانية دبلوماسية، تعكس مستوى التقارب الحالي بين إيران وباكستان. أما الثالثة فهي رسالة قوة ناعمة تؤكد أن المؤسسات العلمية يمكن أن تلعب دوراً في بناء الجسور بين الدول.

وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، يبدو أن تكريم بزشكيان لم يكن مجرد حدث بروتوكولي داخل مؤسسة أكاديمية، بل خطوة ذات أبعاد متعددة تجمع بين العلم والدبلوماسية والسياسة. فالرجل الذي بدأ مسيرته طبيباً وجراح قلب قبل عقود، وجد نفسه اليوم يتسلم إحدى أبرز التكريمات الطبية في باكستان وهو يشغل منصب رئيس الجمهورية، في مشهد يلخص التداخل المتزايد بين المعرفة الأكاديمية والدور السياسي في رسم العلاقات بين الدول.

اترك تعليقا