الحياة شبه متوقفة في مدينة صور الساحلية اللبنانية القديمة
لم تسلم المواقع التراثية الشهيرة في المدينة من الأضرار
- mabdo
- 22 يونيو، 2026
- تقارير
- اخبار لبنان, الوضع في مدينة صور, لبنان, مدينة صور
الرائد| لم يهدأ غبار الحرب الإسرائيلية التي استمرت لأسابيع على مدينة صور العريقة الواقعة على ساحل لبنان المتوسطي إلا قليلاً، ورغم الهدوء النسبي، لا تزال الحياة شبه متوقفة.
وقد دخل حيز التنفيذ وقف إطلاق نار جديد بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران، إلا أن اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة قد انهارت. ولا يزال الغموض والخوف يخيمان على المدينة، حتى مع انعقاد محادثات بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، يأمل اللبنانيون أن تُسهم في تهدئة الأوضاع في بلادهم المضطربة.
وقُتل أكثر من 4000 شخص في لبنان جراء غارات إسرائيلية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة في مارس/آذار، بعد يومين من بدء الحرب الإيرانية، حين أطلق حزب الله النار على إسرائيل. كما اشتبك الحزب مع القوات الإسرائيلية التي توغلت في أعمق منطقة جنوب لبنان منذ أكثر من ربع قرن.
وقد تحولت مساحات شاسعة من جنوب لبنان إلى أنقاض، بما في ذلك صور.
📷 صور | مشاهد من موقع استهداف طيران الاحتلال بعدة صواريخ مركبة قرب محيط مول الرحاب وسط مدينة غزة
📌بعدسة المصور: مجدي فتحيhttps://t.co/s4D91U6JZG pic.twitter.com/7xRDWaKwAm
— وكالة شهاب للأنباء (@ShehabAgency) June 22, 2026
“أين هذا الوقف لإطلاق النار؟”
خلال فصل الصيف، تمتلئ رابع أكبر مدن لبنان عادةً بالسياح الذين يستمتعون بأشعة الشمس على شواطئها، ويتجولون بين آثارها الرومانية، ويتناولون المأكولات البحرية الطازجة في مطاعمها الخلابة، أو يقومون بجولات بحرية.
أما الآن، فالطاولات في المطاعم القليلة التي لم تغلق أبوابها خالية. ومواقف السيارات التي عادةً ما تعج بسيارات رواد الشواطئ، أصبحت الآن مكتظة بالنازحين الذين يعيشون في خيام. يقول الصيادون والبحارة إنهم لا يستطيعون الإبحار بعيدًا عن الميناء خوفًا من استهدافهم.
يقول علي بازي، 31 عامًا، الذي يعيش وحيدًا على متن قارب سياحي مملوك لأصدقاء العائلة: “يخبروننا كل يوم بوجود هدنة أو وقف لإطلاق النار. أين هذه الهدنة؟ لا نراها”. وقد دُمر منزله في طورة، على بُعد كيلومترات قليلة، جراء غارة إسرائيلية.
ومثل كثيرين ممن فروا إلى صور من المناطق المحيطة، لا يجرؤ على العودة حتى يرى هدوءًا طويل الأمد.
منذ شهور، ينام بازي على فراش على سطح القارب، ويبيع السندويشات في كشك صغير على بُعد خطوات قليلة لكسب لقمة العيش.
في أوائل يونيو، حذّرت إسرائيل سكان صور بالكامل من مغادرة المدينة قبل أن تشنّ غارات جوية مكثفة عليها، مُعلنةً استهدافها لحزب الله.
لكن بازي بقي. يتذكر المدينة الخاوية، التي بدت كئيبة، وصراخ النساء والأطفال مع بدء الغارات الإسرائيلية. ويقول إنه استيقظ ذات ليلة على صوت طائرة مسيّرة تحوم فوق الميناء، وخاف أن تكون قد أتت إليه.
ورغم أن وقف إطلاق النار الجديد بدا صامداً إلى حد كبير، إلا أن سكان صور ما زالوا يعيشون في قلق دائم عند سماعهم الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم.
تعرّض التراث القديم والبيئة للخطر.
يبدو أن مبنىً واحداً على الأقل قد سُوّي بالأرض في كل شارع. بينما لا تزال مبانٍ أخرى قائمة، وقد دُمّرت عدة طوابق منها.
وتُعلّق صور القتلى، بمن فيهم المسعفون وعائلاتهم ومقاتلو حزب الله، كنصب تذكارية على أنقاض المباني ولوحات عدادات السيارات المتوقفة.
لم تسلم المواقع التراثية الشهيرة في المدينة من الأضرار.
مرعب هذا المشهد، فهو يعيدنا بالذاكرة إلى أيام أكثر بشاعة من اليوم، إلى ذروة الإبادة.
قبل قليل، كانت رغد عاشور في طريقها إلى مركز تقديم امتحانات الثانوية العامة في وسط مدينة غزة، ملاحقةً حلمها وسط هذا الظلم والمجهول، إذ أطلقت مسيرة إسرائيلية صاروخاً على المركبة فقتلتها. ثم تجمع… pic.twitter.com/OzeyNjjvj7
— Tamer | تامر (@tamerqdh) June 22, 2026
فقد تضررت عدة مبانٍ مجاورة لبقايا قلعة من القرن الثاني الميلادي. وتسببت الأنقاض في سقوط تيجان بعض الأعمدة الرومانية وإلحاق أضرار بأحجار الطريق الروماني التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. ويأمل العاملون في إصلاح الأضرار التي لحقت بموقع التراث العالمي لليونسكو.
وقال عدنان إسطنبولي، الموظف في المديرية العامة للآثار اللبنانية: “ننتظر وصول لجنة لمعاينة الموقع. مدينة صور عمرها 5000 عام، وما حدث لها كارثي”.
وإلى الجنوب من المدينة، أصبح شاطئ المنصوري، وهو محمية طبيعية شهيرة للسلاحف البحرية وغيرها من الحيوانات، غير متاح بعد الغارات الإسرائيلية. وتوفيت منى خليل، الناشطة البيئية المعروفة التي كانت تسكن على طول ذلك الشاطئ، يوم الجمعة متأثرة بجراحها، بعد أسابيع من استهداف منزلها بغارة جوية.
ويقول العاملون في أحد أكبر مستشفيات صور إنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان.
ويعمل أحد أكبر مستشفيات صور على إصلاح بعض وحداته التي دُمرت جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنىً على الجانب الآخر من الشارع.
شهد أطباء مستشفى جبل عامل حروبًا عديدة على مدى العقود الماضية، لكنهم أكدوا أن هذه الحرب مختلفة. ففي السابق، كانوا يشعرون بالأمان نسبيًا طالما كانوا داخل المستشفى. أما هذه المرة، فقد وقعت الغارات الإسرائيلية على مقربة منهم ودون سابق إنذار.
دُمّرت الأبواب والنوافذ، وسارع الطاقم الطبي إلى علاج الجرحى وزملائهم. وامتلأ المستشفى بدخان كثيف.
تقول خديجة يوسف، ممرضة العناية المركزة التي تطل وحدتها على موقف سيارات المستشفى الذي تحول الآن إلى ركام وسيارات متفحمة: “كنا نشعر بالخوف في السابق، لكننا الآن أكثر خوفًا بكثير”. كما
تضررت عيادة طبيب القلب محمد نصار الخاصة المقابلة للمستشفى، وهو الآن ينقب بين الأنقاض بحثًا عن مئات الكتب التي جمعها على مدى ثلاثة عقود.
يقول: “لا أهتم بأجهزة مراقبة القلب أو أي شيء آخر، لكن الكتب عزيزة على قلبي”.
ويتذكر سكان صور باستمرار أن آفاق الاستقرار على المدى الطويل غير واضحة، في ظل استمرار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، حيث لا يلعب حزب الله أي دور ويقاوم جهود نزع سلاحه.
تخضع مساحات شاسعة من الأراضي جنوب مدينة صور لسيطرة إسرائيلية، تمتد حتى الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة والذي يفصل بين البلدين. وفي الأيام الأخيرة، شوهد دخان قصف مدفعي إسرائيلي بعيد من شاطئ صور.
كما رُفع علم إسرائيلي على قمة تل بعيد.
