الاتحاد الأوروبي.. بين الشراكة التاريخية وتآكل الصورة السياسية

كيف أصبحت إسرائيل قضية خلاف داخل أوروبا؟

الرائد: أصبحت إسرائيل قضية خلاف داخل أوروبا نتيجة تداخل عدة عوامل جيوسياسية، تاريخية، وحقوقية، حوّلت هذا الملف من موضوع إجماع تقليدي إلى محور انقسام حاد بين دول الاتحاد الأوروبي. فبينما تقود دول مثل ألمانيا وتشيكيا تياراً يرى في دعم إسرائيل التزاماً أخلاقياً وتاريخياً مرتبطاً بعقدة الذنب الأوروبية بعد الهولوكوست، يتبنى تيار آخر تقوده دول مثل أيرلندا، وإسبانيا، وبلجيكا مواقف صارمة تدين الانتهاكات الإسرائيلية وتدعم حقوق الشعب الفلسطيني والاعتراف بدولته. هذا التباين الحاد انعكس على عجز الاتحاد الأوروبي عن صياغة سياسة خارجية موحدة، خاصة مع تصاعد حدة الصراعات العسكرية الأخيرة، مما جعل الموقف من إسرائيل ساحة للصراع السياسي الداخلي ومحكاً لمدى التزام أوروبا بمسؤوليتها التاريخية وقيمها الحقوقية المعلنة.

يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل وأحد أهم الأطراف الدولية المنخرطة في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وعلى مدى عقود، حافظت العلاقات الأوروبية الإسرائيلية على مستويات مرتفعة من التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، إلا أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ حرب غزة، أظهرت تغيرات مهمة في المزاج السياسي والشعبي داخل القارة.

انقسام أوروبي متزايد

لا يتبنى الاتحاد الأوروبي سياسة موحدة بالكامل تجاه إسرائيل، إذ تختلف مواقف الدول الأعضاء تبعاً لتاريخها السياسي ومصالحها الخارجية. فبينما تبنت دول مثل ألمانيا والتشيك والنمسا مواقف أقرب إلى إسرائيل، اتجهت دول أخرى مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا إلى مواقف أكثر انتقاداً.

وفي مايو 2024 اعترفت كل من إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا بدولة فلسطين، وهو ما اعتبرته الحكومات الثلاث خطوة لدعم حل الدولتين. وأدى القرار إلى توتر دبلوماسي مع إسرائيل.

وقال رئيس الوزراء الإسباني Pedro Sánchez إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمثل ضرورة من أجل السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

أما رئيس الوزراء الأيرلندي Simon Harris فأكد عند إعلان الاعتراف أن الخطوة تهدف إلى الحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين.

تراجع الصورة الشعبية

أظهرت استطلاعات مؤسسة يوجوف في عدد من الدول الأوروبية خلال عامي 2024 و2025 انخفاضاً ملحوظاً في النظرة الإيجابية إلى إسرائيل في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدنمارك وإيطاليا وإسبانيا.

وفي العديد من هذه الدول أصبحت الآراء السلبية أكثر انتشاراً من الآراء الإيجابية، خصوصاً بين الفئات العمرية الأصغر سناً.

ويشير هذا التحول إلى أن الرأي العام الأوروبي بات يتعامل مع الحرب في غزة والقضايا الإنسانية بوصفها عاملاً رئيسياً في تقييم السياسات الإسرائيلية.

الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي

واصل الاتحاد الأوروبي تأكيد التزامه بحل الدولتين ورفضه للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما دعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي مراراً إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وإدخال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية Ursula von der Leyen إن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها، لكنها أكدت في الوقت نفسه ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني.

أما الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية الأوروبية Josep Borrell فقد دعا مراراً إلى وقف إطلاق النار وزيادة المساعدات الإنسانية، كما انتقد الأوضاع الإنسانية في غزة.

التأثير السياسي

أصبحت القضية الفلسطينية الإسرائيلية موضوعاً حاضراً في الانتخابات الأوروبية والنقاشات البرلمانية الوطنية.

وشهد البرلمان الأوروبي جلسات متكررة حول الحرب والأوضاع الإنسانية، كما ظهرت خلافات بين الكتل السياسية بشأن طبيعة الموقف الأوروبي.

كما تعرض عدد من الحكومات الأوروبية لضغوط داخلية من الأحزاب اليسارية والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان لتبني سياسات أكثر تشدداً تجاه إسرائيل.

الخسائر الإعلامية

ساهمت وسائل الإعلام الأوروبية ومنصات التواصل الاجتماعي في توسيع نطاق النقاش حول الحرب والخسائر المدنية والقانون الدولي.

وشهدت عواصم أوروبية كبرى مثل لندن وباريس ومدريد وبروكسل وبرلين مظاهرات حاشدة مؤيدة للفلسطينيين، وهو ما عكس حجم الاهتمام الشعبي بالقضية.

كما انتقلت هذه النقاشات إلى الجامعات الأوروبية، حيث شهدت مؤسسات أكاديمية عدة اعتصامات ومطالبات بمراجعة بعض أوجه التعاون والاستثمار.

العلاقات الاقتصادية والعلمية

رغم الجدل السياسي، لا يزال الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، كما تستمر العلاقات العلمية والتكنولوجية والبحثية.

وتشارك إسرائيل في عدد من البرامج الأوروبية للبحث العلمي والابتكار، وهو ما يجعل العلاقات الاقتصادية والعلمية أكثر استقراراً من العلاقات السياسية والشعبية.

ومع ذلك، ظهرت دعوات داخل بعض الدول والأحزاب لمراجعة بعض اتفاقيات التعاون أو إعادة تقييم بعض أشكال الشراكة.

توقعات المستقبل

تشير المؤشرات الحالية إلى أن العلاقات الرسمية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ستستمر، نظراً إلى المصالح الاقتصادية والعلمية والأمنية المشتركة.

لكن في المقابل، يبدو أن الرأي العام الأوروبي يتجه نحو مزيد من الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحرب والقانون الدولي والاستيطان.

كما يُرجح أن تستمر الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، بين الدول التي تعطي الأولوية للعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل والدول التي تركز بصورة أكبر على الاعتبارات الإنسانية والقانونية.

وبذلك، تواجه إسرائيل داخل أوروبا تحدياً مزدوجاً: استمرار الشراكات الرسمية من جهة، وتراجع التأييد الشعبي واتساع الانتقادات السياسية والإعلامية من جهة أخرى.

اترك تعليقا