ما بعد السلام.. هل باتت إيران قادرة على شل الاقتصاد العالمي؟

تقييمات أمريكية تثير تساؤلات حول مستقبل أمن الطاقة

قد تنتهي الحرب بتوقيع الاتفاقات وعودة السفن إلى مساراتها المعتادة، لكن آثارها الاستراتيجية غالباً ما تستمر لسنوات وعقود، ففي حالة الصراع الأخير مع “إيران”، لا يبدو أن القضية الأكثر أهمية تتعلق بما انتهت إليه المواجهة، بل بما كشفته من حقائق جديدة حول التغير الدراماتيكي في قدرة “طهران” على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي.

 فبعد أن أثبتت عملياً قدرتها على تعطيل الملاحة في “مضيق هرمز” وتهديد تدفقات الطاقة العالمية، باتت تقييمات الاستخبارات الأمريكية تميل إلى أن “الدولة الإسلامية” لم تخرج من الحرب بخسائر عسكرية و بشرية فحسب، بل خرجت أيضاً بأوراق ضغط جديدة قد تمنحها نفوذاً يتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.

إثبات القدرة على الإغلاق..

كشف تقرير معمق نشرته “شبكة CNN الأمريكية”، أن الحرب الأخيرة غيّرت النظرة التقليدية إلى التهديدات الإيرانية بشأن إغلاق “مضيق هرمز”، إذ انتقلت من مستوى التهديد النظري إلى إثبات القدرة العملية على تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ونقلت “CNN” عن أحد المصادر المطلعة، أن “إيران” أصبحت تمتلك “سيطرة فعلية” على المضيق، ما منحها أداة ضغط استراتيجية تتجاوز في تأثيرها العسكري المباشر العديد من أدوات الردع التقليدية، وترى “أجهزة الاستخبارات” أن نجاح “إيران” في تعطيل الملاحة خلال الحرب التي شهدتها المنطقة مؤخراً، قد يجعلها أكثر استعداداً لاستخدام هذه الورقة مستقبلاً، خصوصاً بعدما تمكنت من تنفيذ ذلك دون استنزاف الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية.

حسابات أمريكية خاطئة..

يكشف التقرير أيضاً أن إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قللت خلال مراحل “التخطيط العسكري” من احتمالات نجاح “إيران” في إغلاق “مضيق هرمز”، انطلاقاً من اعتقاد بأن هذه الخطوة ستلحق أضراراً أكبر بـ”طهران” مقارنة بـ”واشنطن” وحلفائها، كما راهنت الإدارة الأمريكية على استخدام “الصين” نفوذها لدى “إيران” لمنعها من تنفيذ تهديداتها، وهو ما دفعها إلى التركيز على استهداف مواقع عسكرية إيرانية بدلاً من تخصيص موارد إضافية لردع أي محاولة لإغلاق الممر المائي الحيوي.

غير أن التطورات اللاحقة، ووفقاً لمصادر شاركت في التخطيط العسكري، أظهرت أن هذه الحسابات لم تكن متوافقة مع الواقع الميداني، وأن السيطرة على المضيق تحولت إلى واحدة من أبرز أوراق القوة التي عززت موقع “إيران” خلال الحرب، وبحسب مصدر مطلع على تقييمات الاستخبارات الأمريكية تحدث إلى “CNN” قائلًا: “لقد منحنا إيران الآن سيطرة فعلية على المضيق، وهو سلاح أقوى من أي سلاح نووي.”

أوراق ضغط إضافية..

لا يقتصر القلق الأمريكي على “مضيق هرمز” فقط .. إذ تشير التقييمات إلى أن “إيران” باتت تدرك تمام الإدراك فعالية استهداف “البنية التحتية للطاقة”، و”القواعد العسكرية” في “دول الخليج” كوسيلة “ضغط غير متماثلة”، (أى أنها استخدمتها كورقة ضغط استراتيجية تمنحها تأثيراً يفوق حجم قدراتها العسكرية التقليدية).

وتعتقد “واشنطن” أن “طهران” ما زالت تحتفظ بجزء كبير من ترسانتها العسكرية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة القادرة على تهديد الملاحة البحرية وزرع الألغام، كما تشير المعلومات إلى أن “إيران” تمكنت من إعادة تنشيط صناعاتها العسكرية بوتيرة أسرع من التقديرات الأمريكية، بما يعزز قدرتها على المحافظة على أدوات الردع والضغط مستقبلاً.

سيناريو “الخيار النووي الاقتصادي”..

ومن أخطر ما ورد في التقرير.. الحديث عن وجود “خطة إيرانية بديلة” أطلقت عليها مصادر مطلعة وبعض المسؤولين الأمريكيين وصف “الخيار النووي الاقتصادي”، تقوم على إمكانية دفع “الحوثيين” في “اليمن” إلى إغلاق “مضيق باب المندب” في حال تعرض “طهران” لـ”ضغوط أمريكية متزايدة” أو حدوث أي تطورات أو تصعيد من شأنه تهديد مصالحها الاستراتيجية والإقليمية.

ويعد “باب المندب” أحد أهم الممرات التجارية العالمية، وإغلاقه بالتزامن مع اضطرابات محتملة في “مضيق هرمز” قد يؤدي إلى صدمة واسعة للتجارة الدولية وأسواق الطاقة العالمية، ومع ذلك.. تشير المصادر إلى أن “إيران”  تتجنب حتى الآن استخدام هذه الورقة، إدراكاً منها أن اللجوء إليها قد يفاقم “التوترات الإقليمية” ويقوض أي تفاهمات أو ترتيبات سياسية قائمة.

تسوية لا تبدد المخاوف..

تشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية إلى أن ملف “مضيق هرمز” لا يزال يمثل نقطة عدم استقرار استراتيجية في الحسابات الدولية، إذ إن أي ترتيبات سياسية أو تفاهمات دبلوماسية تتعلق بحرية الملاحة، لا تبدو كفيلة بإزالة المخاوف الجوهرية المرتبطة بإمكانية تعطيل هذا الممر الحيوي، وتوضح هذه التقديرات أن ما تم اكتشافه خلال الحرب الأخيرة لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل تحول هيكلي في طبيعة أدوات النفوذ، بعدما ثبت امتلاك “إيران” القدرة على التأثير المباشر في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما بات جزءاً من اعتبارات القوى الكبرى الأمنية والاقتصادية.

وفي المقابل، يرى مسؤولون أمريكيون أن “طهران” خرجت من الصراع وهي أكثر قدرة على توظيف “موقعها الجغرافي” وأدواتها غير التقليدية، بما يمنحها نفوذاً إضافياً في أي مسارات تفاوضية أو مواجهات مستقبلية، ويعزز هذا التقييم قناعة داخل الأروقة السياسية وصناعة القرار، بأن معضلة “هرمز” لا تتعلق فقط بضمان استمرار الملاحة، بل بمدى القدرة على منع إعادة سيناريو الإغلاق في أي لحظة توتر مقبلة.

وبحسب مصدر شارك في التخطيط العسكري للحرب.. إن فقدان السيطرة على المضيق يمثل أحد أخطر السيناريوهات في المرحلة الراهنة، نظراً لأنه يمنح الطرف القادر على تعطيله ورقة ضغط، لا يمكن مواجهتها إلا بخيارات تصعيدية قصوى، وأضاف المصدر أن استعادة القدرة الكاملة على تأمين الملاحة في المضيق في حال حدوث اضطرابات واسعة، ستظل مرتبطة بتعبئة عسكرية كبيرة، والذهاب إلى أقصى درجات التصعيد، وإجراءات معقدة تتجاوز الأدوات التقليدية للردع والسيطرة.

اترك تعليقا