الحضارات لا تقوم على القانون وحده
د. جلال الشايب يكتب
- dr-naga
- 13 يونيو، 2026
- مقالات وتحليلات
- إيطاليا, الحضارات, القانون
منذ سنوات زرت إيطاليا، وكان أكثر ما لفت انتباهى فيها، إلى جانب جمال المبانى ونظافة الشوارع وهدوء الحياة، ذلك الاحترام العجيب الذى يبديه الناس لقواعد المرور. لم يكن الأمر مجرد التزام شكلى تفرضه الدولة أو تراقبه الكاميرات، بل بدا وكأنه جزء من تكوينهم الأخلاقى وطريقتهم فى النظر إلى الحياة. وقفت ذات يوم فى طريق خارج المدينة أراقب حركة المرور. كانت الإشارة الحمراء مضاءة أمام السيارات، ولم يكن هناك أى شخص يعبر الطريق، ومع ذلك توقفت السيارات جميعها فى هدوء وصبر حتى تغيرت الإشارة. وبعد ذلك لاحظت أمرا أكثر إثارة للتأمل، فقد كان المشاة أنفسهم ينتظرون الإشارة الخضراء حتى عندما يكون الطريق خاليا تماما من السيارات. لم يكن هناك شرطى يراقبهم، ولا كاميرا ظاهرة تهددهم بغرامة، ومع ذلك التزموا بالقواعد وكأنها جزء من ضميرهم.
عندها أدركت أن الحضارة لا تقوم على القوانين وحدها. فالقانون، مهما كان صارما، يظل قوة خارجية تحدد ما يجوز وما لا يجوز، وتفرض احترامها بالعقوبة والردع. أما الضمير فهو قوة داخلية تجعل الإنسان يراقب نفسه حتى فى غياب الرقيب. القانون يمنع الإنسان من الخطأ خوفا من العقاب، بينما يمنعه الضمير احتراما للحق وشعورا بالمسؤولية. ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة ليست بالضرورة تلك التى تملك أكبر عدد من القوانين، بل تلك التى يلتقى فيها القانون مع الضمير. فحين يصبح احترام النظام قيمة أخلاقية قبل أن يكون التزاما قانونيا، تقل الحاجة إلى المراقبة والعقاب، ويصبح التعاون بين الناس أسهل، وتصبح الحياة أكثر أمنا وراحة. ولعل بناء الضمير الجمعى أصعب بكثير من سن القوانين، لكنه أكثر دواما وأعمق أثرا. فالقانون يجعل الإنسان يخشى العقوبة، أما الضمير فيجعله يستحى من الخطأ حتى لو ضمن الإفلات منه. وبين الاستحياء من الخطأ والخشية من العقاب تكمن المسافة الفاصلة بين مجتمع يحترم القواعد اقتناعا، ومجتمع يطيعها مكرها أو يتجاوزها كلما غاب الرقيب.
_______
الكاتب أستاذ بكلية الفنون الجميلة/ جامعة حلوان