قراءة في كتاب: الإسلام بين الشرق والغرب “لبيغوفيتش”
بقلم: د. عطية عدلان
- dr-naga
- 13 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- الإسلام بين الشرق والغرب, د. عطية عدلان, على عزت بيغوفيتش, قراءة في كتاب: الإسلام بين الشرق والغرب "لبيغوفيتش"
المقدمة
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
لم يكن على عزت بيغوفيتش مجرد مفكر أو فيلسوف، وإنّما كان – إلى جانب ذلك – رجل دعوة ورجل دولة، أصقلته التجربة الطويلة المديدة، التي وقعت كلها في فترة تقلبت فيها بلادُه (البوسنة والهرسك) بين أوضاع كثيرة ومتنوعة، فتقلب معها – وقد امتدّ عمره ما بين 1925 و 2003م – في تجاربها المريرة، عندما كانت ترزح تحت الحكم الشيوعيّ لدولة يوغسلافيا، ثم عندما تفككت يوغسلافيا بسقوط الحكم الشيوعيّ فيها، ثم عندما تعرضت بلاده لأبشع وأشنع وأفظع عدوان عرفه العالم الغربيّ المعاصر، على يد الصرب الآرثوذكس المجرمين، وكان وقتها أول حاكم مسلم للبوسنة والهرسك المسلمة؛ فلقد عركته الخطوب وصقلته التجارب، وأضافت هذه وتلك إلى ثقافته الغزيرة وعلمه الكثيف بعدًا عميقًا وممتدًّا.
وكتابه هذا (الإسلام بين الشرق والغرب) واحد من كتبه العديدة التي ألّفها في الفترة التي سبقت محنة البوسنة والهرك التي وقعت بين عام 1992م إلى عام 1995م، وسبقت توليه للحكم فيها 1990م، وربما لم يظهر لكتابه أثر كبير في الواقع السياسي؛ ربما لأنّ المحنة التي مرت بها البلاد حالت دون ذلك، ولأسباب أخرى موضوعية قد نتعرض لها في الخاتمة والتقييم العام للكتاب، ومن المعروف أنّه ألف معظم كتبه وهو في السجن إبّان حكم الشيوعي المستبد المحارب للإسلام (تيتو)، وهي فترة التأمل والإنتاج الفكريّ المركز، والكتاب كما يقول مؤلفه: “محاولة ترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها”([1])، ويمكن أن نصنف الكتاب على أنّه أنثوبولوجيا مقارنة بين الإسلام والغرب، أو هو علم الإنسان بين الإسلام والحضارة المعاصرة، لذلك يصبّ اهتمامه على الإنسان بالدرجة الأولى.
خلاصة المحتوى
إنّ الإسلام دين الإنسانية؛ لذلك يُعنى الإسلام بالإنسان، فمن أجل مستقبل الإنسان ونشاطه العمليّ؛ “يُعنى الإسلام بالدعوة إلى خلق إنسان متسق مع روحه وبدنه، ومجتَمَعٍ تحافظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية على هذا الاتساق ولا تنتهكه، إنّ الإسلام هو – وينبغي أن يظل كذلك – البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجوّاني والبرّانيّ، هذا هو هدف الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدر له في المستقبل”، أمّا في غير الإسلام فقد تقلبت البشرية بين نظريتين متقابلتين متناقضتين فاشلتين.
وبذلك يكون لدينا ثلاثة أنماط في التفكير وفي فلسفة الحياة، أنماط تسود في الفكرالإنساني وتسود في حياة الناس، يعود الأول – وهو روحانيّ – إلى (الضمير)، ويعود الثاني – وهو مادّيّ – إلى (الطبيعة)، ويعود الثالث – وهو روحانيّ ماديّ – إلى (الإنسان)، فالأول تنمثله اليوم (المسيحية)، والثاني تمثله اليوم (المادية)، والثالث يمثله عبر التاريخ كله (الإسلام)، وإذا كان الإنسان مزدوج التركيب (قبضة طين ونفخة روح)؛ فإنّ الإسلام وحده هو النمط الوحيد الصالح لصناعة الإنسان والمجتمع الإنسانيّ، وإذا كان الإسلام قد نجح أن تكون نظريته منسجمة مع هذه الطبيعة الازدواجية؛ فإنّ الاتجاهين الآخرين فشلا في ذلك فشلًا ذريعًا، فمضت إحداهما مع أشواق الروح متجاهلة حاجات الإنسان المادية، والثانية على العكس منها؛ لذلك إذا تناسينا وتجاهلنا النظريتين ونزلنا إلى أرض الواقع المعاش وجدنا حياة الناس الاجتماعية والسياسية والاجتماعية قد تجاهلت إلى حدٍّ كبير هاتين النظريتين وحاولت أن تتعامل مع الازدواجية الطبيعية في الإنسان، ولكن دون منهجية مستقيمة، وهنا يتميز الإسلام، الذي يمثل وحده الإنسان، ويملك وحده الميزان الدقيق الذي يؤلف به بين شقيّ الإنسان”، وهذا مما يدخل في قول الله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).
وقد ساق المؤلف في مواضع عديدة من كتابه أمثلة حية لتطبيقات هذه الرؤى الثلاثة، من ذلك مثال العلاقة ين الرجل والمرأة، فهو – وإن جاء متأخرًا – مثال حيّ؛ فَتَرْكُ الزواج كنموذج للابتعاد عن الواقع في النظرتين الدينية والمادية في الغرب سبب أزمة واقعية؛ لم يجد الغرب حلًّا لها إلا بشيء من التجاهل والتساهل للنظرتين المغرقتين في الشذوذ، والاضطرار إلى إقرار الزواج كحلٍّ وسط، وهو عين ما يدعو إليه الإسلام، وإن وقع الخلاف في التفاصيل، ففي النظرة الدينية الكنسية دعوة لما يسمونه العفة المطلقة، والتي تكون بترك الزواج، وفي النظرة المادية دعوة لترك الزواج ولكن بطريقة أخرى، وهي إباحة الجنس بالمشاع، وكلا النظرتين جانَبَتْ الواقع، فاضطروا للاقتراب من الإسلام، وذلك باعتبار الزواج شر لابد منه .
وقد فصّل المؤلف في بيان المذهب الماديّ تفصيلًا هادئًا، ولكنّه يركز حتى في دحض نظريات الغرب على الجانب الإنسانيّ، فالعلم الحديث يصور الإنسان تصويرًا مادِّيًّا بحتًا، فليس الإنسان في نظر الداروينية سوى حيوان ذكيّ، لا يفصله عن الحيوانات إلّا أنّه يمشي قائمًا ويصنع الآلة ويتواصل باللغة مع الآخرين، بينما الفنّ لا يرى من الإنسان إلّا ذلك الجانب الإنسانيّ الروحيّ، حيث تجسّد اللوحات والقصائد الجانب النفسي والروحي للإنسان، وتبرز العمق الإنسانيّ، متجاهلة البعد الماديّ، أمّا الإسلام فينظر للإنسان النظرة المزدوجة التي يتآلف فيها الجانبان، الماديّ البيولوجيّ والروحيّ الإنساني ، ويلاحظ أنّ المؤلف لا يركز في تفنيد الداروينية على نقد السردية البيولوجية، وإنّما يركز على ما هو أقدم وأرسخ من وجه نظره، وهو الأخلاق والفنّ، فهذان لا يمكن أن يوجدا إلّا في دراما الخلق المبتدأ، أمّا في السردية التطورية فغير ممكن.
ويبدأ بالتفصيل فيقول: “إنّ الإنسان لا يسلك في حياته كابن للطبيعة، بل كمغترب عنها، شعوره الأساسيّ هو الخوف، ليس خوفًا بيولوجيًّا كذلك الذي يستشعره الحيوان، إنّما هو خوف روحيّ كونيّ بدائيّ موصول بأسرار الوجود الإنسانيّ وألغازه، وقد أطلق عليه (مارتن هيدجر): “العامل الخالد الأزليّ المحدد للوجود الإنسانيّ ، .. “إنّ ظاهرة الحياة الجوّانية أو التطلع إلى السماء – وهي ظاهرة ملازمة للإنسان – غريبة عن الحيوان، هذه الظاهرة تظلّ مستعصية على أيّ تفكير منطقيٍّ، ويبدو أنّها نزلت من السماء نزولًا حرفيًّا، ولأنّها ليست نتاجًا للتطور تقف متعالية عنه مفارقة له” .
ولا يكتفي بملاحظاته، وإنّما يعضدها بنقول عن كبار علماء الغرب، فقد نقل عن (بيير لابان) قوله عن معنى الحياة: “يظلّ السرّ كامنًا؛ فنقص معلوماتنا يجعل كل تفسير للحياة أقلّ وضوحًا من معرفتنا الغريزية بها”، ونقل عن (جان روستاند) قوله عن معنى الحياة: “حتى الآن لا نعرف على وجه التحديد ماهية الحياة، نحن لا نستطيع – حتى – أن نقدم تعريفًا كاملًا دقيقًا لظاهرة الحياة” .
وبعد أن ساق على مدى خمس عشرة صفحة أو يزيد كلامًا للعلماء المتخصصين عن تميز الإنسان تميّزًا يمنع أن يكون مجرد حلقة متقدمة في سلسلة تطور للحيوانات؛ قال هنا: “من الناحية الواقعية يوجد كلٌّ من التوازي الكامل والتنتافر المطلق بين الأنسان والحيوان، فنحن نجد تماثلًا في النواحي البيولوجية البنيوية – أعني الجانب الآليّ – ولكن من ناحية أخرى لا نجد أيّ تماثل، فالحيوان كائن غير مسئول، محايد من الناحية الأخلاقية، كأنّه شيء من الأشياء، أمّا الإنسان فليس كذلك على الإطلاق؛ فمنذ اللحظة التي – من الناحية الدرامية السماوية – (تأنّس فيها الحيوان) أو منذ اللحظة المشهودة المعروفة (بالهبوط إلى الأرض) لا يستطيع الإنسان أن يختار أن يكون حيوانًا بريئًا محايدًا بلا مسئولية؛ لقد أُطلق سراحة دون اختيار له في العودة؛ لذلك فإنّ كلّ حل (فرويدي) مستبعد فمنذ تلك اللحظة المشهودة لم يعد ممكنًا للإنسان أن يختار بين أن يكون إنسانًا أو لا إنسانٍ” ، كما أنّ “الحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق، الحرية ليست نتيجة ولا إنتاجًا للخلق، لأنّ الحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان” ، فالحرية عند بيغوفيتش مرتبطة بالأخلاق، وبالتالي فهي من شواهد الخلق المبتدأ، ويلاحظ هنا وفي الكتاب عمومًا أنّ غرض بيغوفيتش من تفنيد نظرية التطور ليس فقط إثبات الخلق المبتدأ والرد على الإلحاد وإنّما هو إلى جانب ذلك – بل قبل ذلك إثبات كرامة الإنسان الذي هو محور وقلب الحضارة الإنسانية، ولا ريب أنّ – وهذا ما نبه عليه في بداية كتابه – تَصَوُّر الإنسان ووضعه في الحياة ينبني عليه نظم سياسية واقتصادية ومناهج عيش.
ويفرق بيغوفيتش تفريقًا حاسمًا بين الحضارة والثقافة، وهو يعني بالثقافة الحضارة في شقّها الروحي الأخلاقيّ القيميّ، وبالتأكيد هو يقصد بالحضارة جانبها الماديّ الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره كائن بيولوجيّ، أو حيوان ذكيّ، فيبدأ رحلة التمييز بين الحضارة والثقافة بالتأكيد على أنّ الحضارة والمدنية والتقدم الماديّ ينبغي لكي يتحد مع الثقافة أو مح الحضارة الروحية الأخلاقية أن يحطم الأساطير، سواء منها القديم الساذج او الحديث الذي يلبس لبوس العلم كالقول بالتطور او بالصدفة والضرورة أو غير ذلك، ومما قاله في هذا الصدد: ” إنّنا لا نستطيع أن نرفض الحضارة حتى لو رغبنا في ذلك، لكن الشيء الوحيد الضروريّ والممكن هو أن نحطم الأسطورة التي تحيط بها .
إنّ الحضارة والثقافة وصفان متغايران، كلٌّ منهما يعكس وجهًا من الوجهين المختلفين في الإنسان، فأمّا الحضارة فهي قوة الإنسان في الطبيعة، فهي تعبير عن المجتمع البشريّ، أمّا الثقافة فهي قوة الدين في الإنسان وقوة الإنسان في نفسه، فهي تعبير عن الإنسان، الحضارة امتداد للوجه الحيوانيّ في الإنسان، أمّا الثقافة فهي الوجه الآخر الذي لا ينتمي للخط الداروينيّ ،“الحضارة تعلم والثقافة تنوُّر، تحتاج الأولى إلى تعلم، أمّا الثانية فتحتاج إلى تأمُّل” .
وبعد أن استعرض ادعاءات علماء ماديين في الغرب تبشر بقدرات حضارية مبهرة في المستقبل؛ استعرض في المقابل بالأرقام والإحصائيات ما يثبت فشل هذه الحضارة في تقديم السعادة للإنسان، أو في الحفاظ على الطبيعة والبيئة، ثم ختم رحلته قائلًا: “ومن المستحيل أن نجد في هذه الحضارة – إذا اعتمدنا عليها وحدها – أيّ قوى يمكن أن تحارب كل هذا البلاء، بل – أكثر من هذا – إذا اقتصرنا على سلم القيم السائد في هذه الحضارة فلن نجد قيمة أخلاقية واحدة يمكن أن تسد الطريق أمام غزو الإباحية، أو تقاوم انتشار الخمور … إنّ الحضارة لا يمكن كبح جماحها من داخلها، وإنّما فقط من خارجها، أعني بواسطة الثقافة، فمن وجهة نظر الحضارة لا يستطيع العلم أن يتراجع نحو الدين، او تتراجع المدنية إلى الأسرة التقليدية؛ فالدائرة محكمة الإغلاق” .
ومن الإحصائيات التي قام باستعراضها – ومن المؤكد أنها تضخمت – أنّه نقل عن مصادر أنّ إحصائيات سابقة تقول: في أمريكا تحدث جريمة كل 12 ثانية، وجريمة قتل كل ساعة، وجريمة اغتصاب كل 25 دقيقة، وجريمة سرقة كل خمس دقائق، وزيادة معدلات الجرائم الخطرة تتزايد بسرعة أكبر 14 مرة من سرعة النمو السكانيّ ، ويقول: “نشرت منظمة الصحة العالمية في جنيف سنة 1978م قائمة مقارنة لنسب حوادث الانتحار … وكان الانتحار هو السبب الثالث من أسباب الوفاة … وفي تقرير للمنظمة سنة 1970م يبرز بوضوح: “أنّ هذه الظاهرة تتوازى مع التصنيع والتحضر وانهيار الأسرة”.
لم تنجح الحضارة المادية في تحقيق إنسانية الإنسان، ولم تنجح كذلك – برغم الرفاه والتقدم العلمي والتقني – في إسعاده؛ فأكثر الدول رفاهية وتقدمًا وحماية للضمان الاجتماعي وتحقيقًا لحدٍ أعلى في الأجور والدخل هي ذاتها الدول التي تشهد أعلى معدلات في الانتحار والجريمة والأمراض النفسية والعصبية؛ وما ذاك إلّا لأنّ شيئًا ما ذا قيمة جوهرية للإنسان تفتقده الحضارة المعاصرة، أمّا التشاؤم فهو اللغة السائدة والشعور المستقرّ، فها هم الفنانون والأدباء والفلاسفة: إبسن .. هيدجر .. ميلر .. بنتر .. بيكت .. أونيل .. بيرجمان .. كامو .. أنطونيني؛ هؤلاء جميعًا فلاسفة متشائمون، ومعهم أغلب الأدباء والفنانين، انتحر ثلاثة عشر أديبًا وكاتبًا يابانيًّا، منهم الحائز على جائزة نوبل في الأدب، المسرح يمزق بإنتاجه التشائميّ المتدفق الوجه الزائف للرفاهية والرخاء الذي رسمته الحضارة على وجه الإنسانية، البلاد الأكثر رفاهية والتي ينال فيها الأفراد أعلى درجات التأمين الاجتماعي والخدمات هي الأعلى في حوادث الانتحار، الاستقراء الواقعيّ يثبت أنّ البلاد والمدن والقرى الأكثر تقدمًا هي الأكثر تعاسة وبؤسًا وتشاؤمًا، على عكس البلاد والمدن والقرى والأحياء والنجوع التي تنتشر فيها الأمية والفقر والتخلف؛ فهذا بالتأكيد سببه أنّ الحضارة المادية لا تحقق للإنسان الطمانينة والرضى .
ومن الملاحظ أنّ تركيز المؤلف على نقد وتفنيد الداروينية شديد ومتكرّر، ويكاد يطغى على الكتاب من أوله إلى آخره؛ ربما لأنّه يرى – وهو على صواب في ذلك – أنّ الداروينية صارت دين أوربا والغرب في الحضارة المعاصرة، وأنّ الأمر لم يقف عند حدّ الداروينية البيولوجية – على ما فيها من مجازفة ونزق وتجديف – وإنّما جاوزها إلى الداروينية الاجتماعية، التي تحطّ أكثر من شأن الإنسان، وهذا ما انتصب المؤلف لمواجهته في هذا الكتاب، وهو لكونه فيلسوف ومفكر يعتمد في تفنيد الداروينية بكل تجلّياتها على الظواهر الإنسانية التي تحيل تطور الإنسان عن سلالة حيوانية.
من الظواهر التي ركز عليها كثيرًا ظاهرة الفنّ، بكلّ صوره بدئًا من الشعر وانتهاء بالموسيقى والغناء، ومرورًا بصور متعددة من الفنّ بكافّة أنواعه، فهو يرى وأحسبه على حقّ فيما يرى أنّ الفنّ إبداع تأمّليّ لا يمكن أن يرقى إليه مخلوق جاء عبر سلسلة من التطورات الآلية؛ “إنّ الفنّ في بحثه عمّا هو إنسانيٌّ أصبح باحثًا عن الله، وإذا كان الواقع يشير إلى وجود فنانين ملحدين إسميًّا فإنّ هذا لا يغير كلّ شيء، لأنّ الفنّ طريقة للعمل وليس طريقة للتفكير، ويؤكد في مواضع عديدة على أنّ الفنّ ولد مع الإنسان ولم يأت متأخرًا، ويسوق في سبيل ذلك أمثلة تاريخية عديدة
أمّا الأخلاق فمحال أن تكون طبيعية، محال أن تكون بنت الطبيعة، إنّها سماوية متجاوزة في وجودها وتطورها حدود هذه الطبيعة؛ فهي – إذن – ظاهرة من الظواهر التي تحيل أن يكون الإنسان مجرد حلقة في سلسلة تطور حيوانية، إذْ ليست الأخلاق كما عرفها الرواقيون “الحياة في انسجام مع الطبيعة”، إنّما – على الأرجح – هي الحياة ضد الطبيعة، بشرط أن تكون كلمة طبيعة مفهومة بمعناها الصحيح، الإخلاق كالإنسان؛ هي أيضًا لا عقلانية لا طبيعية، فلا يوجد إنسان طبيعيّ ولا أخلاق طبيعية، فالإنسان في حدود الطبيعة ليس إنسانًا، بل هو على أحسن الفروض حيوان ذو عقل، وكذلك الأخلاق في حدود الطبيعة ليست أخلاقًا، إنّما على الأرجح شكل من أشكال الأنانية .. أنانية حكيمة مستنيرة .
وقد نقل المؤلف عن جان روستاند: “إنّ أيّ خطة لمعاملة الإنسان معاملة القطيع تبدو مثيرة للاشمئزاز، وفي الوقت نفسه تجرح فينا مشاعر الكرامة الشخصية … ويرفض الإنسان التقدم المتاح إذا كان عليه أن يحصل عليه بوسائل تحط من إنسانيته” ، ونقل عن أفلاطون قوله: “الجسم قبر للروح … المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا بعد الموت … ليست الأخلاق إمكانية طبيعية للإنسان ولا يمكن إقامتتها على العقل”، وقد ساق هذه النقول وغيرها قبل أن يتوجه إلى نقد فكرة قيام الأخلاق على المنفعة الذاتية، ليقول مقررا بحسم: “يمكن إقامة أخلاقيات المنفعة على أساس من العقل ولو على المستوى النظري، ولكن من المستحيل أن نقيم على العقل وفي غيبة الألوهية أخلاقيات تقوم على التضحية كما ينبغي أن تكون الأخلاق .
ثم يستطرد ليقطع دابر أيّ فكر يحاول أن يصل الأخلاق بالماديّة: “لقد دخل الإنسان التاريخ برأس مال أخلاقيٍّ مبدئيٍّ هائل، لم يرثه من آبائه المزعومين من الحيوانات، ولقد واجه العلم طبيعة المجتمعات الإنسانية في بساطتها وأصالتها في ظروف كانت المجتمعات الإنسانية والحيوانية لا تزال متجاورة، ولكنّ العلم عجز عن تفسير هذه الظاهرة، وكان رفض العلم للافتراض الديني هو الذي أعاقه عن فهم هذه الظاهرة ، ثم نقل عن العالم الخبير في الدراسات الإفريقية (ليو فروبنيوس) قوله: “إنّ الأفارقة متحضرون حتى النخاع، وإنّ فكرة أنّهم برابرة ليست سوى خيال أوربيّ ، ثم يحمل على الحضارة المعاصرة حملة ضارية، يكشف فيها عن سوءاتها ليؤكد على أنّ المادّية لا تهب أخلاقًا: “لقد كانت الحكومة الأمريكية حتى منتصف القرن التاسع عشر تدفع مبلغًا من المال لمن يأتي بفروة رأس هنديّ، وخلال ثلاثة قرون من الزمن استمرت التجارة الشائنة في العبيد السود عبر الأطلنطي جنبًا إلى جنب مع نمو الحضارة الغربية
فالواقع الذي لا يجحد أنّ “الإنسانية والأخلاق متصلان بالإنسان … أمّا عضو المجتمع أو ساكن الطوبيا فليس إنسانًا بالمعنى الحقيقيّ لهذه الكلمة، إنّه حيوان اجتماعيّ … الإنسان يكون أخلاقيًّا أو لاأخلاقيّ، أمّا عضو المجتمع الطوباوي فلا يعرف غير وظيفته ، وكلام الفلاسفة الماديين يؤكد أنّهم لا يتحدثون عن الأخلاق، وإنّما يتحدثون عن سلوكيّات وظيفية حيوانية؛ وقد نقل المؤلف عن جيرمي بنثام صاحب مذهب المنفعة في علم الأخلاق قوله: “لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين هما: اللذة والألم؛ فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا”، ونقل أقوالًا أخرى لفلاسفة آخرين يدعون أنّ الأخلاق لا علاقة لها بالدين، ثمّ كرّ عليها مفندًا ومقوضًا لكل ما قامت عليه، فتأمّل هذه الكلمات المنيرة: “يوجد ملحدون على أخلاق لكن لا يوجد إلحاد أخلاقيّ، والسبب هو أنّ أخلاقيات اللادينيّ ترجع في مصدرها إلى الدين … لقد غربت الشمس حقاً، لكنّ الدفء الذي يشع في جوف الليل مصدره شمس النهار السابق … إنّ الأخلاق دين مضى كما أن الفحم في باطن الأرض حصاد قرون ماضية” .
وفي آواخر الكتاب يعود المؤلف إلى التأكيد على فكرته الجوهرية، وهي أنّ الدين اللاهوتي البعيد عن الحياة الواقعية ابتعد عن الإنسان، وأنّ المادية – بإهدارها لواجبات الروح – ابتعدت عن الإنسان، وأنّ استحالة قيام الحياة في الواقع إلّا بالخروج الجزئي على النظرتين المتناقضتين يُعَدُّ أكبرَ شاهدٍ على أنّهما لا يصلحان للإنسانية، وأنّ الإسلام وحده هو الذي يصلح للإنسان، لأنّه – بجمعه بين متطلبات الروح والجسد – صار دين الإنسان، ولكنّه في هذه الحملة ركز على التفريق بين المسيحية التي جاء بها المسيح ودين بولس وأوغسطسن الذي تؤمن به أوربا وأمريكا وسائر العالم المسيحيّ
فبعد أن قرر في صفحات عديدة أنّ الدين المجرد والمادية الخالصة لم ينجحا في خوض الحياة إلا بتشوه في كلّ منهما؛ طفق يقول: “هذه الحقائق تؤكد النظرة الشاملة للإسلام، إنّ الدين الخالص والسياسة الخالصة يوجدان فقط على مستوى الأفكار، أمّا في الحياة العملية فما نشاهده إنّما هو مزيج من عناصر مؤلفة منهما معًا، وفي بعض الحالات يستحيل التفريق بينهما ، وفي سياق حملته على المسيحية قال: “إنّ الدين الذي يريد أن يستبدل التفكير الحرّ بأسرار صوفية، والحقيقة العلمية بعقائد جامدة، والفاعلية الاجتماعية بطقوس؛ لابدّ أن يصطدم بالعلم ، وفي سياق تقريره بأنّ المسيحية شيء مختلف عن المسيح؛ نقل عن نيتشة قوله: “إنّ آخر مسيحي قد مات على الصليب” ، واستطرد: “فأب المسيحية هو عيسى عليه السلام أمّا أب الكنيسة فهو بولس أو أوغسطين، جاء عيسى بالأخلاق المسيحية، أمذا بولس فقد أدخل اللاهوت المسيحي، بل إنّ تاريخ تأرجح الكنيسة بين فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو، ذلك التأرجح الذي صبغ الفكر الكنسي خلال العصور الوسطى كان نتيجة للتناقض نفسه؛ فتعاليم عيسى الدينية أقرب إلى فلسفة أفلاطون، أمّا اللاهوت المسيحي فهو أقرب إلى فلسفة أرسطو” ، وأطال كذلك في نقد المادية، حتى وصل إلى ذروتها، وقال: “الماركسية كنظرية كان عليها أن تتبنى فكرة الحتمية التاريخية، ولكن كحياة معاشة كان لابد أن تتخلى عن هذه الفكرة .
الخاتمة
لا ريب أنّ المؤلف أحسن وأجاد فيما انتصب هو لبيانه، وهو أنّ الإنسان في هذه الحضارة فاقد لإنسانيّته، وأنّه لا سبيل إلى تحقيق إنسانية الإنسان إلا بالإسلام، الذي هو دين الإنسان، ولكنّه في المقابل لم يتحدّث كثيرًا عن الإسلام الذي يريد أن يقدمه للناس كبديل عن الاتجاهين المتناقضين: اللاهوت والمادية، ولم يعول كثيرًا على نصوص الكتاب والسنة ولا على التراث الإسلاميّ؛ فهل ذلك لأنّه أراد أن يركز على نقد وتفنيد وتقويض الأسس التي قامت عليها الحياة في أوربا في مرحلتيها: العهد الوسيط والعصر الحديث؟ أم إنّه أراد أن يغطي مساحة لا يغطيها المنظرون للإسلام في العادة؟ أيًّا ما كان الدافع فإنّ هذه ملاحظة رئيسية.
وهناك ملاحظة أخرى وقد اشترك فيها مع – مراد هوفمان – وهي أنّه لم يقدم مقترحًا لشكل الحياة المؤسسية التي يقدمها الإسلام، في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، إلّا أنّها اشترك مع هوفمان وغيره في توجيه اللوم للحضارة المعاصرة في جفوتها وقسوتها وغلظتها على البشرية، وفي وطئها لإنسانية الإنسان، فانظر إليه وهو يكرّ عليها: ” إنّ تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبا ظالمة استئصالية ضد شعوب متخلفة أقل تعليماً، كان أكبر ذنبهم أنهم يدافعون عن أنفسهم وحرياتهم، أنّ المستوى التعليميّ الراقي للغزاة لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب، لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على ضحاياهم” ، وانظر إليه كذلك وهو ينتقد هيمنة الرأسمالية على الإنسان إلى حدّ تطويع التعليم لسياسة الرأسمال: نقل عن “جالبريث” المنظر الاقتصادي الكبير للنظام الصناعي قوله: “لا شك أن المدرسة الثانوية الحديثة قد تكيفت تماما لتلائم احتياجات النظام الصناعيّ … فما يتمتع بالقدر الأكبر من الاعتبار هو العلوم البحتة والتطبيقية والرياضيات … بينما الاعتبار الأقل والتدعيم الأقل يختص بالفنون والعلوم الإنسانية؛ انعكاسا لقلة أهميتها” ، كما نقل عن فلاديمير لينين قوله: “إنّ عملنا في التعليم يستهدف تحطيم الطبقة البرجوازية، ونحن نعلن أنّه ليس هناك مدرسة خارج السياسة؛ فهذا كذب ونفاق” ، وختم جولة النقد بضربه في أصل الحداثة التي تعد الإنسان سيدًا للطبيعة؛ فقال: “أليس الإيمان بالإنسان بدلا من الإيمان بالله هو شكل من أشكال الدين وإن بدرجة أنزل؟! إنّ لجوء الماديين إلى الإنسان بدلا من الرجوع إلى الله يبدو غريبا في ضوء ما أكده ماركس نفسه عندما قال: “إنّ الأمل في الإنسانية المجردة للإنسان وهم لا يقل عن الوهم الدينيّ الخالص”، وهذا كلام يتسق مع مفهوم المعادلة التي تقول: “إذا لم يوجد إله فلا يوجد إنسان أيضا” .
يبقى أنّ نقول: إنّ الكتاب في بابه مفيد وقيّم، ولكنّ الخطأ يأتي من التعويل الكامل على كتاب لمجرد أنّه أحسن وأجاد، فهناك زوايا تحتاج إلى مكونات ليست واردة في الكتاب، ولها صلة وثيقة بموضوع الكتاب، بعضها تعرض له مراد هوفمان، وبعضها تعرض له محمد أسد، وبعضها يحتاج إلى المعالجة الجادة السابغة، من ذلك الردّ على الإلحاد المعاصر بردود علمية تستفيد من معطيات العلم نفسه، ومنه بيان الأسباب التي ستفضي بالحضارة المعاصرة إلى الزوال، ومنه الكشف عن زيف كثير من النظريات السياسية والاقتصادية المعاصرة، وغير ذلك. والله الموفّق.
الإسلام بين الشرق والغرب – على عزت بيغوفيتش – ترجمة محمد يوسف عدس – دار النشر للجامات مصر – مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام – ط ثانية 1997م