سباق الماراثون وعبرة “عشر ذي الحجة”
د محمد علي يوسف يكتب
- dr-naga
- 17 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- الجسد البشري, السباق, العداؤون, تراويح, تلاوة قران, د محمد علي يوسف, رمضان, سباق المارثون, صدقة, صلة رحم, صيام, عشرة ذي الحجة
في سباقات الماراثون الطويلة هناك معلومة مهمة عن الجسد البشري لابد أن يدركها العداؤون المحترفون…
أخطر لحظات السباق ليست البداية الحماسية ولا الأمتار الأخيرة المنهكة.
الخطر الحقيقي يكمن في تلك المرحلة الضبابية التي يسميها بعض الرياضيين “حالة الارتطام بالحائط” أو Hitting the wall
تلك اللحظة التي يفقد فيها العداء إحساسه الواضح بالهدف القريب.
خط النهاية لا يزال بعيداً والجسد بدأ يستهلك مخزونه النفسي، والعقل يسأل في تعب
ماذا أفعل الآن تحديداً؟
يرجع البعض حدوث ذلك إلى استنزاف الدوبامين…
هرمون المكافأة الذي يغذي في الدماغ شعور الإنجاز.
عندما يطول الطريق دون مكافأة سريعة، ينخفض الدوبامين ويحل محله الإحباط.
الغريب هنا أن كثيراً من العدائين الذين لا يكملون الماراثون ؛ لا يسقطون لأن أجسادهم عجزت بدنيا ولكن لأن الخطوات التالية لم تعد واضحة بما يكفي داخل أذهانهم.
العقل لا يستطيع توجيه الطاقة لشيء هلامي.
هو يحتاج دائماً إلى إجابة لسؤال: “ما هي الخطوة القادمة في اللحظات القصيرة القادمة ؟
لهذا تعتمد مدارس التدريب الحديثة على تقسيم السباق الطويل إلى أهداف صغيرة واضحة..
المحطة القادمة…
زجاجة الماء التالية…
المنعطف المقبل…
أي شيء يعيد للعقل وضوح “المطلوب الآن”.
هذه الحالة في تقديري من أهم الإجابات للسؤال الذي أطرحه دوما بين يدي عشر ذي الحجة..
لماذا لا يهتم أكثرنا بها كما نهتم برمضان؟
لماذا يتثاقل جل المسلمين في عشر ذي الحجة رغم عظم فضلها؟
في رمضان تبدو الصورة أوضح بكثير.
والمحطات تتجدد والمذكرون كثر..
وثمة برنامج معروف للجميع ويتشارك في جل المسلمين..
صيام…
تراويح…
ختمات…
صدقات…
دعاء قبل الفجر.
التماس ليلة قدر وربما اعتكاف…
وهكذا
المطلب واضح والوسائل واضحة والمشاركون حولك في كل مكان..
حتى المقصر يعرف غالباً ماذا ينبغي أن يفعل لو أراد ألا يقصر..
أما عشر ذي الحجة فتبدو لدى الكثيرين مساحة مفتوحة بلا ملامح واضحة.
يعرف أنها أيام عظيمة… لكنه لا يعرف من أين يبدأ تحديداً.
لم أرزق الحج هذا العام.. وليس معي ما يكفي لتدبير ثمن الأضحية أو المشاركة ولو بسُبع.. حسنا لا تكليف عليّ إذاً.
هكذا يفكر ومن ثم لا تظهر قيمة الماراثون أصلا..
العجيب أن النبي ﷺ حسم الأمر ببساطة ووضوح:
“ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام.”
العمل الصالح…
هكذا… بإطلاقه الرحب..
كل ما يطلق عليه عمل صالح فهو تكليفك هذه الأيام إن أردت السبق لفضلها.
أي باب خير تستطيع فتحه الآن فهو داخل في المعنى:
صلة رحم…
بر والدين…
صدقة…
توبة…
قيام…
صيام…
إغاثة محتاج…
كف أذى…
تعلم علم…
تلاوة قرآن…
دعوة إلى الله…
وفي خضم هذا الاتساع من الأعمال يظل عمل يتكرر في كثير أحاديث العشر وآياتها بصورة لافتة..
الذكر.
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}.
ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن “الأيام المعلومات” المذكورة في الآية هي أيام العشر الأوائل من ذي الحجة، حيث يُستحب فيها الإكثار من ذكر الله والتكبير والتحميد
وفي حديث فضل العشر رواية نصها.. “فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل.”
لهذا كان الصحابة يرفعون التكبير في الأسواق والطرقات كأنهم يعيدون توجيه البوصلة كلما تاهت القلوب وسط زحام الدنيا.
كأنهم طيات الذكر الجهري يقولون: أيها الناس… هذه أيام مختلفة.
لا تنسوا ذلك.
لم يكن التكبير مجرد كلمات تتردد…
كان أشبه بلافتات على الطريق تقول للقلوب: أنت ما زلت داخل الموسم… لا تنسَ وجهتك.
لهذا أرى إن كانت ثمة نصيحة بهذا الصدد أن العشر من ذي الحجة بالذات لا تحتاج إلى “خطة مثالية” بقدر ما تحتاج إلى “محطات واضحة” تشبه محطات تجديد الحماس في الماراثون..
بعض الناس يدخل هذه الأيام بعقلية مرتبكة: سأختم القرآن ثلاث مرات… سأقوم الليل كله… سأصوم التسع كاملة… سأقرأ كذا وأحفظ كذا وأفعل كذا… ثم بعد يومين فقط يصطدم بالحائط النفسي نفسه الذي يسقط عنده عداؤو الماراثون خصوصا مع قلة التشجيع.. والإرهاق… وضبابية الطريق… والشعور الداخلي ثقيل بأنه يعافر وحده.
الفكرة أبسط وأعمق من ذلك .
قسّم أيامك كما يقسم العداء طريقه الطويل.
لا تنظر إلى العشر باعتبارها كتلة ضخمة مرهقة.
انظر فقط إلى “المحطة التالية”.
لن أمليها عليك كي لا نقع في محاذير البدع لكن اعتبرها مجرد أمثلة واقتراحات..
تكبيرات وذكر بعد كل صلاة.
ورد قرآن ثابت ولو كان قليلاً المهم ألا ينقطع.
دعاء في السجود.
صدقة يومية ولو يسيرة.
صلة رحم مؤجلة منذ أشهر.
استغفار في الطرقات.
قيام ليل ولو خفيف قبيل الفجر.
كف أذى كنت تستهين به.
رسالة طيبة ترفع معنويات إنسان مثقل.
وتذكير لغيرك..
هذه الأعمال الصغيرة الواضحة لا تبدو مبهرة للنفس المتعطشة للبطولات الكبرى… لكنها غالباً أكثر بقاءً وصدقاً.
والشيطان بالمناسبة لا يمانع كثيراً في الخطط العملاقة المؤجلة… هو يقلق أكثر من العمل الصغير المستمر.
لهذا كان أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ..
المسألة ليست أن تتحول فجأة إلى نسخة أسطورية من نفسك خلال عشرة أيام. المسألة أن تظل مقبلا متقربا…
ألا تفقد الاتجاه…
و ألا تنقطع تماماً وسط زحام الحياة.
ولهذا أيضاً كانت في نظري عظمة الذكر في هذه الأيام تحديداً.
الذكر لا يحتاج فراغاً كاملاً ولا ظروفاً مثالية.
يمكنك أن تذكر الله وأنت تقود سيارتك أو تجلس في مواصلة عامة… أو تنتظر المصعد… أو تسير في شارع مزدحم… أو تجلس مرهقاً بعد يوم عمل طويل.
كأن الذكر وُضع خصيصاً ليمنع روحك من السقوط الكامل وسط صخب الدنيا.
لهذا يا صديقي… لا تُحمّل نفسك منذ البداية صورة مثالية مرهقة ثم تنكسر سريعاً إذا عجزت عنها.
ابدأ بالمحطة التالية فقط.
ثم التي بعدها.
ثم التي بعدها.
وفي نهاية الطريق ستكتشف بإذن الله أنك قد قطعت مسافة في طريق الطاعة أبعد بكثير مما كنت تتخيل.