محادثات واشنطن تختبر فرص التهدئة بين لبنان وإسرائيل

مع تصاعد المواجهات العسكرية

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن جولة جديدة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في تطور يُعدّ من أعلى مستويات التواصل السياسي والأمني بين الطرفين منذ عقود، وسط تصاعد المواجهات العسكرية في جنوب لبنان واستمرار الضغوط الدولية لمنع توسع الحرب الإقليمية المرتبطة بالصراع مع إيران.

ووصفت الولايات المتحدة الاجتماعات بأنها “مثمرة وإيجابية”، مؤكدة استمرار النقاشات خلال الأيام المقبلة بهدف التوصل إلى تفاهمات أمنية وسياسية قد تمهد لوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. لكن رغم هذا التفاؤل الأمريكي، فإن الوقائع الميدانية تعكس صورة أكثر تعقيداً، مع استمرار الغارات الإسرائيلية وهجمات حزب الله المتبادلة على الحدود.

أهداف متباينة بين بيروت وتل أبيب

بحسب مسؤولين لبنانيين، دخل الوفد اللبناني المفاوضات وهو يركز على أولوية وقف إطلاق النار، وإنهاء الغارات الإسرائيلية، ووضع جدول زمني واضح لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، إضافة إلى إطلاق المحتجزين اللبنانيين لدى إسرائيل.

في المقابل، تتمسك الحكومة الإسرائيلية بهدف رئيسي يتمثل في نزع سلاح حزب الله وإبعاده عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو مطلب يلقى دعماً أمريكياً واضحاً، خاصة في ظل الاتهامات الإسرائيلية للحزب بتهديد أمن شمال إسرائيل عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويرى محللون أن هذا التباين في الأهداف يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل خلال وقت قصير أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن حزب الله لا يشارك مباشرة في المفاوضات رغم أنه الطرف الأساسي في المعركة.

انقسامات داخلية لبنانية

قرار الرئيس اللبناني Joseph Aoun الاستمرار في المحادثات رغم اعتراضات حزب الله كشف حجم الانقسام الداخلي في لبنان بشأن مستقبل سلاح الحزب والعلاقة مع إسرائيل.

ويقول الباحث اللبناني في الشؤون السياسية الدكتور قاسم قصير إن “الحكومة اللبنانية تحاول استثمار الضغط الدولي لوقف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تواجه معادلة داخلية شديدة الحساسية، لأن أي حديث عن نزع سلاح حزب الله قد يُنظر إليه داخلياً كاستهداف مباشر للمقاومة”.

من جانبه، يرى الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي كوبي ميخائيل أن إسرائيل تعتبر هذه الحرب “فرصة تاريخية لإعادة رسم الواقع الأمني في الجنوب اللبناني”، مضيفاً أن تل أبيب “لن تقبل بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب”.

الدور الأمريكي وضغوط واشنطن

إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump تبدو حريصة على تحقيق اختراق سياسي في الملف اللبناني بالتوازي مع محاولاتها إنهاء التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران.

ويعتقد الباحث الأمريكي آرون ديفيد ميلر، وهو دبلوماسي سابق مختص بشؤون الشرق الأوسط، أن واشنطن تسعى إلى “منع تحول جنوب لبنان إلى جبهة استنزاف طويلة تهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية”.

وأضاف ميلر في تحليل نشره معهد كارنيغي أن الإدارة الأمريكية تدرك أن أي اتفاق في لبنان سيبقى هشاً ما لم يترافق مع تفاهم أوسع يشمل إيران وحلفاءها الإقليميين.

وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة تحاول استثمار علاقتها الوثيقة مع إسرائيل للضغط نحو تهدئة تدريجية، لكنها في الوقت ذاته تمنح تل أبيب هامشاً عسكرياً واسعاً لتحقيق أهدافها الأمنية.

إيران وحزب الله.. موقف حذر

رغم أن طهران لا تشارك مباشرة في محادثات واشنطن، فإن الملف اللبناني يبقى مرتبطاً بشكل وثيق بالحسابات الإيرانية. فإيران تعتبر حزب الله أحد أهم أذرعها الإقليمية، وأي محاولة لإضعافه ستُقابل بحساسية شديدة.

ويرى الخبير الإيراني في العلاقات الدولية سعيد ليلاز أن طهران “قد تقبل بتهدئة مؤقتة إذا ضمنت وقف الهجمات الإسرائيلية، لكنها لن توافق على أي ترتيبات تؤدي إلى تفكيك قوة حزب الله العسكرية”.

أما حزب الله، فيواصل التأكيد أن عملياته العسكرية مرتبطة بما يسميه “الدفاع عن لبنان ومواجهة العدوان الإسرائيلي”، بينما يرى مراقبون أن الحزب يسعى أيضاً للحفاظ على أوراق ضغطه في أي تسوية إقليمية مقبلة.

ردود فعل دولية متباينة

رحبت فرنسا وقطر ومصر باستمرار المحادثات، معتبرة أنها تمثل فرصة لاحتواء الحرب ومنع انفجار إقليمي أوسع. كما دعت الأمم المتحدة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، بعد ارتفاع أعداد الضحايا والنزوح في جنوب لبنان.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة إن المنظمة “تشعر بقلق بالغ من استمرار سقوط المدنيين وتدهور الأوضاع الإنسانية”، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي.

في المقابل، شددت ألمانيا وبريطانيا على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، مع الدعوة في الوقت ذاته إلى تجنب استهداف المدنيين والبنية التحتية اللبنانية.

أما روسيا والصين، فقد انتقدتا استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وحذرتا من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

يرى خبراء أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحدد مستقبل الأزمة:

أولاً: هدنة مؤقتة

وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، حيث يتم التوصل إلى تمديد وقف إطلاق النار الحالي مع تفاهمات أمنية محدودة تسمح بخفض التصعيد دون حل جذري للصراع.

ثانياً: اتفاق أمني أوسع

ويتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من بعض المناطق الجنوبية مقابل ترتيبات أمنية وتقييد نشاط حزب الله قرب الحدود، لكنه يحتاج إلى ضمانات دولية معقدة.

ثالثاً: عودة التصعيد الشامل

وهو السيناريو الأخطر، خاصة إذا انهارت المحادثات أو استمرت الضربات المتبادلة بوتيرة أعلى، ما قد يدفع المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع تشمل إيران بشكل مباشر.

ويقول الباحث في شؤون الأمن الإقليمي مايكل نايتس إن “الوضع الحالي هش للغاية، وأي خطأ ميداني أو استهداف واسع للمدنيين قد يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي بالكامل”.

مستقبل غامض رغم الانفتاح السياسي

ورغم الأجواء الإيجابية التي تحاول واشنطن الترويج لها، فإن الطريق نحو اتفاق مستدام لا يزال مليئاً بالعقبات السياسية والعسكرية. فإسرائيل تريد تغييراً جذرياً في المعادلة الأمنية جنوب لبنان، بينما تتمسك بيروت بوقف الحرب أولاً قبل مناقشة الملفات الخلافية الكبرى.

وفي ظل استمرار المواجهات اليومية، يبدو أن محادثات واشنطن قد تنجح في تأجيل الانفجار الكبير، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة قادرة على إنهاء الصراع بصورة نهائية، خصوصاً مع تشابك الملف اللبناني بالحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.

اترك تعليقا