ترامب يرفض الرد الإيراني وسط تصاعد التوتر

الذي تضمّن شروطًا سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة

دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرحلة شديدة الحساسية بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رفضه الرسمي للرد الإيراني على المقترحات الأمريكية الخاصة بإنهاء الحرب، واصفًا الرد بأنه “غير مقبول إطلاقًا”. وجاء هذا الموقف بعد ساعات من تسريبات نشرتها وسائل إعلام أمريكية وإيرانية كشفت ملامح الرد الإيراني الذي تضمّن شروطًا سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة.

الرد الإيراني، الذي قُدم عبر وسطاء إقليميين ودوليين، كشف بوضوح أن طهران لا تزال متمسكة بجوهر مشروعها النووي والعسكري، لكنها في المقابل أبدت استعدادًا لتقديم تنازلات محدودة مقابل إنهاء الحرب ورفع العقوبات الأمريكية.

ماذا تريد إيران؟

بحسب التسريبات التي نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” ووكالة “تسنيم”، فإن إيران اقترحت وقفًا متزامنًا للقتال مع رفع تدريجي للحصار الأمريكي وفتح مضيق هرمز تدريجيًا أمام الملاحة الدولية. كما عرضت نقل جزء من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة غير الولايات المتحدة، مع “ترقيق” جزء آخر لتقليل مستوى التخصيب.

لكن طهران رفضت بشكل واضح تفكيك منشآتها النووية، كما طالبت بضمانات قانونية وسياسية تسمح بإعادة اليورانيوم المنقول إذا انهارت المفاوضات أو تعرضت لهجوم جديد.

إيران أبدت أيضًا استعدادًا لتعليق التخصيب لفترة زمنية محدودة تقل عن 20 عامًا، وهو ما تعتبره واشنطن غير كافٍ مقارنة بالمطالب الأمريكية التي تسعى إلى قيود أطول وأكثر صرامة.

لماذا رفضت واشنطن الرد؟

يرى خبراء أمريكيون أن الرد الإيراني لا يعالج المخاوف الأساسية المتعلقة بإمكانية عودة طهران سريعًا إلى التخصيب العسكري.

وقال الخبير في شؤون الأمن القومي ريتشارد هاس إن “الإدارة الأمريكية كانت تبحث عن التزام واضح ودائم يمنع إيران من استعادة برنامجها النووي خلال سنوات قليلة، لكن الرد الإيراني ترك الباب مفتوحًا أمام العودة السريعة”.

أما الباحثة في معهد بروكينغز سوزان مالوني فاعتبرت أن إيران “تحاول شراء الوقت وتخفيف الضغط العسكري دون تقديم تنازلات جوهرية”، مضيفة أن طهران لا تزال تتفاوض من موقع “الدولة الصامدة” لا “الدولة المهزومة”.

في المقابل، يرى محللون آخرون أن الموقف الأمريكي نفسه يواجه تعقيدات داخلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأمريكية وتزايد الانتقادات الشعبية لاستمرار الحرب وتكاليفها الاقتصادية والعسكرية.

الحسابات الإيرانية

الخبير الإيراني المقرب من دوائر صنع القرار صادق زيبا كلام قال إن طهران “تحاول الوصول إلى صيغة تحفظ ماء الوجه داخليًا وتمنع الانهيار الاقتصادي الكامل”، مؤكدًا أن القيادة الإيرانية تدرك أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يهدد الاستقرار الداخلي.

ويرى الباحث في مركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي أن إيران “تحاول الربط بين الملف النووي والملفات الإقليمية”، خاصة قضية مضيق هرمز والعقوبات النفطية، من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية مباشرة قبل تقديم أي تنازلات استراتيجية.

وأضاف أن إيران تدرك أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط عالمية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي.

ردود الفعل الإقليمية

على المستوى الإقليمي، تابعت دول الخليج التطورات بحذر شديد. وأكدت مصادر دبلوماسية خليجية أن العديد من العواصم الخليجية تدعم أي اتفاق يؤدي إلى خفض التصعيد العسكري ويحافظ على استقرار الملاحة وأسواق الطاقة.

في المقابل، أبدت إسرائيل تشددًا واضحًا تجاه المقترحات الإيرانية. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين قولهم إن “أي اتفاق لا ينهي البنية النووية الإيرانية بالكامل سيكون خطأ استراتيجيًا”.

أما باكستان، التي لعبت دور الوسيط خلال الأشهر الماضية، فتواصل جهودها الدبلوماسية لمنع انهيار الهدنة المؤقتة. ويرى مراقبون أن إسلام آباد أصبحت لاعبًا مهمًا في الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

تركيا وقطر دعتا أيضًا إلى استمرار المفاوضات وتجنب العودة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة، خاصة مع المخاوف من اتساع الحرب إلى جبهات أخرى في المنطقة.

الموقف الروسي والصيني

روسيا والصين تراقبان المشهد عن قرب. موسكو دعت إلى “حل سياسي شامل” ورفضت أي خطوات قد تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني بالقوة، بينما شددت بكين على أهمية استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

ويرى الباحث الروسي أندريه كورتونوف أن الولايات المتحدة “لا تريد حربًا شاملة طويلة”، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول باتفاق يمنح إيران حرية استعادة برنامجها النووي سريعًا.

أما الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، فتخشى أن يؤدي انهيار المفاوضات إلى أزمة طاقة عالمية جديدة، خاصة مع استمرار التوترات في الممرات البحرية.

هل تقترب الحرب من نهايتها؟

الآراء بشأن مستقبل الأزمة لا تزال متباينة. فبعض الخبراء يرون أن مجرد استمرار تبادل الرسائل والمقترحات يعني أن باب التفاوض لم يُغلق بعد.

ويقول الباحث الأمريكي آرون ديفيد ميلر إن “الحروب غالبًا تنتهي عندما يدرك الطرفان أن تكلفة الاستمرار أعلى من تكلفة التسوية”، مشيرًا إلى أن واشنطن وطهران وصلتا إلى مرحلة “الاستنزاف المتبادل”.

لكن خبراء آخرين يحذرون من أن فشل المفاوضات قد يقود إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري، خاصة إذا تعرضت منشآت حساسة لهجمات جديدة أو إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل.

كما أن استمرار الغموض حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني قد يدفع إسرائيل إلى الضغط من أجل عمليات عسكرية إضافية، وهو ما قد يعقّد المشهد أكثر.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

يتوقع مراقبون ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

التوصل إلى اتفاق مؤقت يشمل وقف إطلاق النار وتخفيف العقوبات مقابل قيود نووية محدودة.

استمرار المفاوضات دون اتفاق نهائي مع بقاء الهدنة الهشة الحالية.

انهيار المباحثات وعودة التصعيد العسكري بما يشمل استهداف منشآت حيوية أو إغلاقًا أوسع لمضيق هرمز.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات السياسية والعسكرية، وسط صراع معقد تتداخل فيه الحسابات النووية والطاقة والأمن الإقليمي والمنافسة الدولية بين القوى الكبرى.