“ماركا حق” تعيد إبراز التوتر بين الهند وباكستان في كشمير
وسط خطاب رسمي يؤكد على “الردع الوطني”
- السيد التيجاني
- 9 مايو، 2026
- تقارير
- الردع الوطني, العلاقات الإقليمية, الهند, باكستان, جامو وكشمير المحتلة
تشهد باكستان غداً احتفالاً واسع النطاق في مقر القيادة العامة للجيش في روالبندي لإحياء الذكرى السنوية الأولى لما تصفه المؤسسة العسكرية بـ”عملية ماركا حق”، وهو حدث تحوّل من مناسبة عسكرية إلى منصة سياسية وإعلامية تحمل رسائل داخلية وخارجية مرتبطة بالأمن القومي، والعلاقات الإقليمية، خصوصاً مع الهند، إضافة إلى ملف كشمير.
الاحتفال، الذي سيحضره كبار قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية، يتقدمه المشير عاصم منير، ويأتي وسط خطاب رسمي يؤكد على “الردع الوطني” و”الانتصار الاستراتيجي”، وفق الرواية الباكستانية، في حين تنظر إليه أطراف إقليمية ودولية باعتباره جزءاً من خطاب سياسي متصاعد يعكس التوتر المستمر في جنوب آسيا.
أولاً: الرواية الرسمية الباكستانية
تقدم الحكومة الباكستانية، بقيادة رئيس الوزراء محمد شهباز شريف، “ماركا حق” باعتبارها نقطة تحول في التاريخ العسكري الحديث للبلاد. ويؤكد الخطاب الرسمي أن العملية عززت “الردع الاستراتيجي” وأظهرت جاهزية القوات المسلحة في البر والبحر والجو والفضاء الإلكتروني.
كما يربط الخطاب بين هذه العملية وبين مفهوم “الوحدة الوطنية”، حيث يتم تقديمها كرمز للصمود أمام التحديات الخارجية، مع التركيز على دور المؤسسة العسكرية في حماية السيادة.
في المقابل، يشير محللون إلى أن هذا النوع من الخطاب غالباً ما يُستخدم داخلياً لتعزيز التماسك السياسي في ظل تحديات اقتصادية وأمنية تواجهها البلاد.
ثانياً: القراءة العسكرية والاستراتيجية
يرى الخبير العسكري الباكستاني المتقاعد الجنرال طلعت مسعود أن مثل هذه الاحتفالات “تعكس رغبة المؤسسة العسكرية في تثبيت سردية الردع بعد أي مواجهة أو توتر إقليمي”، مضيفاً أن الجيش الباكستاني “يستخدم الرمزية العسكرية لتعزيز ثقة الجمهور”.
لكن في المقابل، تقول الباحثة في شؤون جنوب آسيا في مؤسسة “كارنيغي” كريستين فير إن “خطاب الانتصار العسكري في بيئة نووية حساسة مثل الهند وباكستان قد يرفع مستوى التوتر حتى دون وجود مواجهات فعلية على الأرض”.
كما يشير الباحث في مركز “ويلسون” الأمريكي مايكل كوغلمان إلى أن “جنوب آسيا تعيش حالة توازن هش، وأي تصعيد لفظي أو احتفالي عسكري يمكن أن يُقرأ خارجياً كإشارة سياسية لها تبعات دبلوماسية”.
ثالثاً: الموقف الهندي
في الهند، تُتابع هذه التطورات بحذر شديد، حيث ترى دوائر سياسية وأمنية أن الخطاب الباكستاني حول “الانتصار التاريخي” يأتي في إطار المنافسة الإقليمية المستمرة بين البلدين.
وتعتبر نيودلهي أن أي ربط بين العمليات العسكرية والخطاب السياسي في كشمير يهدف إلى التأثير على الرأي العام داخل الإقليم، حيث تسعى الحكومة الهندية بقيادة ناريندرا مودي إلى تأكيد سيادتها الكاملة على المنطقة.
كما يشير محللون هنود إلى أن مثل هذه المناسبات “لا تغيّر الواقع الميداني، لكنها تُستخدم لتعزيز الروايات الوطنية في الإعلام المحلي”.
رابعاً: تأثير الحدث على ملف كشمير
يبقى ملف كشمير هو العنصر الأكثر حساسية في هذا السياق. فالخطاب الباكستاني الرسمي يؤكد باستمرار دعم “حق تقرير المصير”، بينما ترفض الهند أي تدويل للقضية.
ويرى محللون أن الربط بين “ماركا حق” وملف كشمير يعيد إبراز التوتر الكامن في الإقليم، حيث لا تزال القضية واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في آسيا.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية البروفيسور سوميت غانغولي إن “كشمير ليست فقط نزاعاً إقليمياً، بل أصبحت جزءاً من الهوية السياسية لكلا البلدين، ما يجعل الحل الدبلوماسي أكثر تعقيداً مع مرور الوقت”.
خامساً: ردود الفعل الإقليمية
في المنطقة، تنظر بعض الدول إلى هذه التطورات على أنها جزء من التنافس التقليدي بين الهند وباكستان، لكنها في الوقت نفسه تخشى من أي تصعيد غير محسوب.
وتؤكد تقارير دبلوماسية أن دول الخليج، وكذلك الصين، تدعو بشكل مستمر إلى ضبط النفس، نظراً لأن أي توتر بين القوتين النوويتين قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي وسلاسل الطاقة والتجارة.
سادساً: الموقف الدولي
لم تصدر مواقف رسمية قوية من الأمم المتحدة، لكن المنظمة الدولية تؤكد باستمرار على أهمية الحوار بين الطرفين. كما تشير تقارير غربية إلى أن المجتمع الدولي ينظر إلى جنوب آسيا باعتبارها منطقة “توازن نووي حساس”.
ويرى محللون في بروكسل أن “الخطاب الاحتفالي العسكري، رغم أنه داخلي في طبيعته، قد يُفسَّر خارجياً كرسالة سياسية غير مباشرة”.
سابعاً: البعد الداخلي في باكستان
على المستوى الداخلي، تلعب هذه المناسبات دوراً في تعزيز صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها عمود الدولة الأساسي.
ويقول محللون باكستانيون إن الاحتفالات العسكرية غالباً ما تُستخدم لتعزيز التماسك الوطني في ظل التحديات الاقتصادية، ورفع معنويات الجمهور.
كما يرى الصحفي الباكستاني حامد مير أن “الخطاب الوطني المرتبط بالجيش ما زال يحظى بقبول واسع داخل المجتمع الباكستاني، خاصة في القضايا المرتبطة بالسيادة والأمن”.
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية
يمكن تلخيص مستقبل هذا النوع من الأحداث في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
استمرار الخطاب الرمزي دون تصعيد مباشر: وهو السيناريو الأكثر احتمالاً، حيث تبقى الاحتفالات ضمن إطارها المحلي.
تصاعد التوتر الإعلامي بين الهند وباكستان: خاصة عبر التصريحات والوسائل الإعلامية.
تراجع التوتر عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة: وهو احتمال ضعيف لكنه قائم في حال تدخل أطراف دولية.
بين الاحتفال العسكري في روالبندي والتجاذب السياسي في المنطقة، تظل “ماركا حق” حدثاً يعكس أكثر من مجرد ذكرى عسكرية، بل يمثل جزءاً من الصراع السردي المستمر بين الهند وباكستان حول النفوذ، الهوية، وكشمير.
وفي حين تؤكد إسلام آباد على “الانتصار والردع”، ترى أطراف دولية أن الاستقرار في جنوب آسيا لن يتحقق إلا عبر تخفيف الخطاب التصعيدي والعودة إلى طاولة الحوار، في منطقة تبقى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.