مأزق إسرائيل في جنوب لبنان: حرب المسيّرات وتآكل الردع
مع تحوّل في قواعد الاشتباك
- السيد التيجاني
- 2 مايو، 2026
- تقارير
- إسرائيل, جنوب لبنان, حرب التكنولوجيا, قواعد الاشتباك, نتنياهو
يشهد جنوب لبنان تحولات ميدانية لافتة تعكس تغيرًا عميقًا في طبيعة الصراع بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، حيث لم تعد المواجهة تقليدية كما في الحروب السابقة، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا منخفضة التكلفة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة. هذا التحول وضع إسرائيل أمام معادلة معقدة، بين الرغبة في الحسم العسكري والخشية من الانزلاق إلى حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
تحوّل في قواعد الاشتباك
يرى الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن “حزب الله نجح في فرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على الاستنزاف الذكي، بدل المواجهة المباشرة”. ويضيف أن استخدام المسيّرات المرتبطة بتقنيات الألياف البصرية يمثل قفزة نوعية، إذ يجعلها أقل عرضة للتشويش، وهو ما أربك المنظومات الدفاعية الإسرائيلية.
من جانبه، يوضح الباحث في شؤون الأمن القومي الإسرائيلي كوبي ميخائيل أن “إسرائيل تواجه تحديًا مزدوجًا: تكتيكي يتمثل في التعامل مع تهديد سريع ومتغير، واستراتيجي يتعلق بتآكل صورة الردع”. ويؤكد أن استمرار سقوط ضحايا في صفوف الجنود نتيجة هذه الهجمات يضغط على صناع القرار في تل أبيب.
فخ استراتيجي معقد
توصيف “الفخ الاستراتيجي” الذي أطلقه مسؤول أمني إسرائيلي يعكس حالة من الجمود العملياتي. فلا الانسحاب خيار متاح سياسيًا، ولا التقدم ممكن دون تكلفة مرتفعة. ويشير المحلل السياسي الإسرائيلي عاموس هرئيل إلى أن “القيود الأمريكية، خصوصًا موقف إدارة دونالد ترمب، تلعب دورًا في كبح أي تصعيد واسع”.
في المقابل، يرى الخبير الإقليمي عبد الباري عطوان أن ما يحدث “يعكس تحولًا في ميزان القوة، حيث باتت الكلفة على إسرائيل أعلى بكثير من السابق، حتى في العمليات المحدودة”.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
إقليميًا، تتابع الأطراف المختلفة تطورات الجنوب اللبناني بحذر. فقد حذرت الأمم المتحدة من خطورة استمرار التصعيد، داعية إلى الالتزام باتفاقات التهدئة. كما أعربت عواصم أوروبية عن قلقها من إمكانية توسع المواجهة، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع في المنطقة.
في الداخل الإسرائيلي، تتزايد الانتقادات للحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو، حيث تتهمه بعض الأصوات بالفشل في إدارة الملف الشمالي. في المقابل، يؤكد مسؤولون حكوميون أن العمليات تهدف إلى منع تعاظم قدرات حزب الله، حتى وإن كانت النتائج بطيئة.
أما في لبنان، فيُنظر إلى الأداء الميداني لحزب الله على أنه نجاح في فرض توازن ردع جديد، رغم الكلفة البشرية والمادية الكبيرة التي يتحملها المدنيون، خاصة في المناطق الحدودية.
حرب التكنولوجيا منخفضة الكلفة
يؤكد الخبير العسكري الأمريكي مايكل نايتس أن “المسيّرات الرخيصة غيّرت قواعد الحرب، لأنها تمنح الفاعلين غير الدوليين قدرة على إلحاق أضرار كبيرة بتكلفة محدودة”. ويضيف أن هذه الظاهرة “لن تقتصر على لبنان، بل ستنتشر في مناطق نزاع أخرى”.
هذا التقييم يتقاطع مع مخاوف إسرائيلية من انتقال هذه التكنولوجيا إلى أطراف مثل حركة حماس في غزة، أو حتى إلى الضفة الغربية، ما يفتح جبهات متعددة يصعب احتواؤها.
السيناريوهات المحتملة
في ظل المعطيات الحالية، يطرح الخبراء عدة سيناريوهات. الأول هو استمرار حرب الاستنزاف، حيث يواصل الطرفان العمليات المحدودة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. ويرجح هذا السيناريو كوبي ميخائيل، معتبرًا أنه “الأكثر واقعية في المدى القريب”.
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد واسع، قد يحدث نتيجة خطأ حسابي أو هجوم كبير يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا. ويحذر عاموس هرئيل من أن “أي حادثة كبيرة قد تخرج الأمور عن السيطرة بسرعة”.
أما السيناريو الثالث فهو التوصل إلى تسوية سياسية، برعاية دولية، تعيد تثبيت قواعد الاشتباك وتخفف التوتر. غير أن هذا الخيار يبدو صعبًا في ظل غياب الثقة بين الأطراف.
تكشف تطورات جنوب لبنان عن مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها التكنولوجيا مع السياسة، والاستنزاف مع الردع. إسرائيل تجد نفسها أمام معادلة صعبة، بينما يواصل حزب الله اختبار حدود القوة الإسرائيلية. وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون في كلا الجانبين الأكثر تضررًا، في انتظار مخرج سياسي قد لا يأتي قريبًا.
في المحصلة، يبدو أن الصراع دخل مرحلة “اللا حسم”، حيث لا غالب ولا مغلوب في الأفق القريب، بل توازن هش قابل للانفجار في أي لحظة.