صورة السلطان عبد الحميد وصورة ملك بلجيكا

التاريخ لا يكتبه المنتصرون فحسب بل أصحاب الهيمنة الإعلامية

صورتان لزمنٍ واحد، لكن بمصائر متباينة؛ السلطان عبد الحميد الثاني ،الذي عاش في قلب الصراع لحماية الأراضي الإسلامية، والملك ليوبولد الثاني،الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الحقبات الاستعمارية جدلاً في التاريخ. رحلة بصرية نغوص من خلالها في عالم ‘السياسة العليا’، حيث كانت الصورة الشخصية لكل ملك تحمل وراءها استراتيجيات بقاء، وطموحات توسع، وقصصاً لم تُروَ بالكامل بعد.”

تجدر الإشارة إلى أن كلا الحاكمين كانا معاصرين لبعضهما البعض في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين (عبد الحميد: 1876-1909، ليوبولد: 1865-1909).

تتكشف لنا مفارقة تاريخية صارخة بين صورتين صاغهما الخطاب الغربي على نحوٍ انتقائي: صورة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وصورة ملك بلجيكا ليوبولد الثاني.

حين تناول ليفانلي سيرة عبد الحميد الثاني، وواجه الرواية الجاهزة التي تصفه بـ”السلطان الأحمر”، لم يكتفِ بالترديد، بل عاد إلى الوثائق والأرقام. فكانت النتيجة صادمة لكثيرين: خلال حكمٍ دام أكثر من ثلاثة عقود، لم تُسجَّل إلا حالات محدودة جدًا من الإعدامات، معظمها في إطار جرائم جنائية، مع حضور ضعيف جدًا للبعد السياسي. وهي أرقام، في سياق القرن التاسع عشر، تبدو منخفضة مقارنةً بكثير من الأنظمة الأوروبية نفسها.

في المقابل، كان العالم يشهد واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني. هناك، تحوّلت الأرض إلى ملكية خاصة للملك، ومورس على السكان نظام قمعي قائم على العمل القسري، والعقوبات الوحشية، وعمليات قتل واسعة النطاق، راح ضحيتها ملايين البشر. ومع ذلك، لم تُلصق به الأوصاف ذاتها التي أُلصقت بعبد الحميد، بل بقي في الوعي الغربي ضمن إطار “الملك الأوروبي”.

هذه المفارقة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: من يكتب التاريخ؟ وكيف تُصاغ الصور الذهنية عن الشخصيات والدول؟

يرى ليفانلي أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في هيمنة السردية الغربية، التي كثيرًا ما تعيد ترتيب الوقائع بما يخدم رؤيتها ومصالحها، فتُضخِّم أخطاء الآخرين، وتُخفِّف أو تُغفل أخطاءها.

ولا يتوقف الأمر عند الماضي، بل يمتد إلى الحاضر. فحين ننظر إلى ما يجري في قطاع غزة، يتكرر السؤال نفسه: كيف تُرفع شعارات حقوق الإنسان والحرية، بينما تُطبَّق بانتقائية واضحة حسب الجغرافيا والهوية؟

إنّ النقد هنا لا يعني إنكار القيم الإنسانية في ذاتها، بل مساءلة الفجوة بين الشعار والتطبيق. فالقيم تُقاس بمدى التزام أصحابها بها في جميع الحالات، لا حين تخدم مصالحهم فقط

الخلاصة أن دراسة التاريخ بعمق تكشف لنا أن الصورة السائدة ليست دائمًا الحقيقة الكاملة، وأن الوعي النقدي ضرورة لفهم الماضي والحاضر معًا، بعيدًا عن التلقّي الأعمى لأي رواية جاهزة.

في قراءةٍ لافتةٍ للمؤرخ والكاتب التركي Zülfü Livaneli، تتكشف لنا مفارقة تاريخية صارخة بين صورتين صاغهما الخطاب الغربي على نحوٍ انتقائي: صورة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وصورة ملك بلجيكا ليوبولد الثاني.

في الختام، يكشف لنا ليفانيلي أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فحسب، بل يصيغه أصحاب الهيمنة الإعلامية. فبينما وُصِم السلطان عبد الحميد بـ ‘السلطان الأحمر’ في الصحافة الأوروبية لمحاولته حماية حدود دولته، غُض الطرف طويلاً عن فظائع ليوبولد الثاني في الكونغو التي حصدت أرواح الملايين. إن المقارنة بين الصورتين تضعنا أمام حقيقة صادمة: أن ‘الشر’ في الخطاب التاريخي ليس دائماً انعكاساً للحقيقة، بل هو أحياناً أداة سياسية تُستخدم لتبرير الاستعمار وشيطنة الخصوم.”

المؤرخ والكاتب التركي Zülfü Livaneli