التشوهات الفكرية وأزمة النخب العربية

رضا بودراع يكتب

تشهد الساحة الدولية تحولات كبرى في بنية النظام العالمي، لم تقتصر آثارها على الجغرافيا والسياسة فحسب، بل امتدت لتعيد تشكيل الوعي الإنساني وتوازناته.

وفي قلب هذا المخاض، نلحظ ظاهرة مثيرة للانتباه في الواقع العربي

وهي تكثف “الوعي الصلب” لدى عامة الأمة، مقابل اضطراب غاية في الخطورة في وعي النخبة.

وسأتناول ذلك في نقاط

أولاً: “وعي العامة ضامنه الفطرة كدرع حصين”

وإليها يعود صمود الوعي لدى عموم الأمة إلى حالة “الاستبداد” التي لا تزال ترزح تحتها.

فكردة فعل طبيعية، تقوقع العقل الجمعي للشعوب حول الوعي الفطري؛ وهو وعي أصيل يرفض التبعية بالفطرة.

حيث جعلت الممارسة القمعية للأنظمة من “رواية السلطة” موضعاً دائماً للشك، مما خلق حصانة شعبية تجعل العامة أقرب دوماً لرفض المشاريع الدخيلة، والتمسك بالثوابت الهوِيّاتية الكبرى.

مأزق النخبة هو “التحرر الذي أدى إلى “التيه”!

في المقابل، نجد شريحة واسعة من النخب المثقفة التي خاضت معارك ضارية لمفارقة أنظمة الاستبداد وقدمت تضحيات كبرى، قد وقعت في فخ “الخطورة المركبة”

فبالرغم من انفصال هذه النخب عن الأنظمة القطرية، إلا أنها سقطت في فجوتين خطيرتين:

■ الانفصال عن العمق الشعبي لما فقدت هذه النخب اتصالها بالوعي الجمعي الصلب، وأصبح خطابها معزولاً عن نبض الفطرة.

■ الارتهان للمشاريع “فوق القطرية”

فقد وقع كثير من هذه النخب في مهب رياح المشاريع الإقليمية والدولية (باطنية، علمانية، أو أمنية)، فاستُبدل أسر الأنظمة البائسة بأسر مشاريع هادمة للكيان الحضاري للأمة.

ثالثاً: الكلفة المضاعفة

“فقد أصبحت المعركة على جبهتين”

لإن المأساة الحقيقة في أزمة النخب في هذه الحالة، أنها ترفع بشكل حاد “كلفة التحرر” على الأمة.

فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على مواجهة الاستبداد أو الاحتلال الخارجي فحسب، بل أصبحت معركة مركبة تتطلب جهداً مضاعفاً

■ الجبهة الأولى: تحرير عموم الأمة من هيمنة الاحتلال وأدواته الاستبدادية.

■ الجبهة الثانية: بذل جهد شاق لتحرير “النخبة” أنفسهم من أوهامهم وتشوهاتهم الفكرية التي تجعلهم -بقصد أو بدون قصد- عائقاً أمام تحويل الوعي الجمعي الى مسار تحرري شامل.

وهذا ما يفسر حالة التخبط في الأحداث الكبرى، كالموقف من الصراع (الصهيو-أمريكي) وتداخلاته الإقليمية؛ حيث تغرق النخبة في “تيه” التقديرات المشوهة، بينما تظل بوصلة الشعوب أكثر اتساقاً مع فطرتها.

■ ما أريد قوله أنه لا يمكن الحديث عن تحرر حقيقي للأمة ما لم ننجح في “تحرير عقول نخبها” أولاً؛

فالعقل المشوه للنخبة هو القيد الأخير الذي يحول دون اكتمال التحرر الشامل.

وليس امامنا خيار إلا التذكير المستمر

بإرادة الله وبإرادة الأمة على مراد الله

وأن هذا المسار مستقل تماما عن مسار إرادات المشاريع الكفرية والباطنية والطاغوتية.

لازالت الأمة تحتفظ بقدر من الفطرة المقاومة، لكنها تفتقد أدوات التحويل لتصبح مشروعا تحرريا،

بينما تمتلك النخبة الأدوات لكنها تفقد بوصلتها في التحولات الكبرى.

ونتيجة لذلك، انقطع الجسر بين الوعي والقوة، فتحول الإدراك الشعبي إلى حالة رفض غير فعّالة، وتحول الإدراك النخبوي إلى أداة إعادة إنتاج للهيمنة.

ومن هنا، فإن معركة التحرر الحقيقي لا تُحسم فقط بإسقاط الاستبداد أو مقاومة الاحتلال الخارجي،

ولكن بإعادة بناء “العقل القيادي للأمة”، أي النخبة التي تصل بين الفطرة والمنهج، و بين الهوية والواقع، بين الوعي والسعي.