من الحيل النفسية ” التكوين العكسي “

د محمد علي يوسف

في قواميس التحليل النفسي، ثمة حيلة دفاعية شديدة المكر يمارسها العقل الباطن تُعرف باسم “التكوين العكسي” (Reaction Formation).
حين يحاصر المرء دافع داخلي قبيح لا يجرؤ على مواجهته، فإن العقل قد لا يكتفي بمجرد طمسه في العتمة ولكنه سيقفز مباشرة إلى أقصى النقيض.
سيغلف هذا العار فوراً في ثوب الفضيلة المعاكسة له تماماً فتتخفى الكراهية العميقة في صورة مجاملات مبالغ فيها، ويتنكر الجبن المذعور في هيئة حكمة متروية وحرص بالغ وتحمل مسؤولية.
أكثر الإجابات إحكامًا قد تكون أبعدها عن الحقيقة.
أحياناً ينهار الإنسان من الداخل تحت وطأة الخوف أو الطمع ثم يعيد بناء نفسه سريعاً باستخدام لغة منضبطة ومحسوبة.
من هنا خرجت تلك الجملة في يوم الأحزاب.
“يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ”
هو تركيب لغوي متماسك خالٍ من الارتباك ويحمل لفظا شرعيا له دلالة تشي بالورع..
عورة!
كلمة توحي بغيرة نبيلة على الأهل وحرص بالغ على البيوت، ومسؤولية تُطرح في توقيت حرج.
المشهد من الخارج يبدو عقلانياً لدرجة قد تمنعك من لوم قائله.
لكن سورة الأحزاب تعلمك ألا تخدعك مستويات الصياغة البلاغية ولا نبرة الجملة أو ما تحيط به نفسها من ظلال أخلاقية مزيفة.
الآية تتجاوز الطبقة السطحية التي تستروا بها من خلال اللفظ الشرعي لتبين مباشرة مركز الدافع.
“وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا”
انكشاف حاد لا يترك مساحة للالتباس أو التبرير.
البيوت لم تكن يوماً هي القضية والخطر لم يكن في الخارج بقدر ما كان ينهش في الداخل.
والدافع الحقيقي كان أبسط وأوضح..
إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا
مجرد فرار.
لكنهم اختاروا كلمة تمنحهم مخرجاً نفسياً مريحاً.
رواية متماسكة كعادة كل مدمن للتبرير يستطيع أن يعيش داخلها دون أن يحتقر نفسه.
تُرتب الرواية المثالية بعناية فائقة حتى تُخفي ما لا يريد المرء أن يواجهه في مرآته.
لكن الخطورة الحقيقية هنا لا تكمن في خداع الآخرين.
الخطورة تبدأ في اللحظة التي ينجح فيها الإنسان في إقناع نفسه بروايته وصياغته.
عندها لا يعود الكذب جملة عابرة، ولكنه يصير إطاراً كاملاً يُعاد من خلاله تفسير الواقع البغيض للمقصر.
سورة الأحزاب تقطع هذا المسار الكاذب من جذروه، وتعيد تسمية الأشياء بأسمائها الأول لتسقط كل الطبقات التجميلية التي تراكمت فوق الدافع الحقيقي.
وليبقى الإنسان وحده أمام حقيقة لا تقبل التأجيل
ما الذي حركه فعلاً؟
هناك مساحة دقيقة جداً بين “الحرص” و”الهروب”، وبين “التعقل” و”الانسحاب” وبين “الحكمة” و “البخل”
في تلك المساحة الفاصلة، لا تُقاس الأمور بقوة العبارات ومنطقيتها.
الكلمات قد تنجو بسهولة من فخ النقد وتخدع عقول السامعين.
لكن القلب ينطق بالحقيقة دوما..
والله وحده يعلم ما فيه.
#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
سورة #الأحزاب