ألمانيا والصين.. تحالف الضرورة لمواجهة حروب التجارة

ميرتس يراهن على الصين

في تحول استراتيجي لمواجهة التهديدات الجمركية الأمريكية، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتز عن توجه بلاده لتعزيز “الشراكات الاستراتيجية” مع الصين وزيارة بكين، مؤكداً أن حماية الاقتصاد الألماني تتطلب انفتاحاً على الشريك الصيني. وتأتي هذه الخطوة وسط تحذيرات ألمانية لواشنطن من استخدام الرسوم كأداة ضغط، وتزامنًا مع قيام الشركات الألمانية بزيادة استثماراتها في الصين كدرع واقٍ ضد الاضطرابات التجارية.

وأبدى ميرتس تطلعه لمناقشة التعاون المستقبلي بين أوروبا وثاني أكبر اقتصاد في العالم بالوقت الذي تميل فيه الولايات المتحدة إلى فرض رسوم جمركية، وفق وكالة «رويترز».

وأكد أن لدى بلاده مصلحة استراتيجية بإيجاد شركاء في العالم مستعدين لتشكيل المستقبل معاً، مشيراً إلى أنه لم يعد من الممكن فصل السياسة الخارجية والاقتصادية.

قال المسشار الألماني: «إذا كان الأميركيون يعتقدون أن بوسع سياستهم الجمركية منحهم نفوذاً بجميع أنحاء العالم، أو إذا كانوا يعتقدون أن الرسوم الجمركية أكثر أهمية من الضرائب المحلية، فهذا أمر يمكن للأميركيين بالطبع أن يقرروه بأنفسهم. لكن هذه ليست سياستنا».

وتؤثر ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب بشأن الرسوم الجمركية على العلاقات بين الدولتين المتحالفتين وتهدد التجارة الثنائية بينهما وتزيد خطر إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد الألماني الذي يعاني بالفعل.

وقال ميرتس عن الرسوم الجمركية “«يمكنكم القيام بذلك، لكننا لن نوافق عليه. وإذا بالغتم في ذلك، فإن الأوروبيين قادرون بالتأكيد على الدفاع عن أنفسهم ضده».

وتابع، أن الأوروبيين أظهروا قدرتهم على العمل معا خلال الأزمة الأخيرة المتعلقة بغرينلاند، محذراً من أن الاتحاد الأوروبي سيرد إذا رفعت واشنطن الرسوم الجمركية مرة أخرى.

ميرتس في بكين: مهمة البحث عن حلفاء “المستقبل”
يستعد المستشار ميرتس للقيام بأول زيارة رسمية له إلى الصين الأسبوع المقبل، وهي رحلة يُنظر إليها كمنعطف حاسم للعلاقات الأوروبية-الصينية في عام 2026. وخلال كلمة ألقاها في ولاية راينلاند بالاتينات، شدد ميرتس على أن “السياسة الخارجية والاقتصادية لم يعد من الممكن فصلهما”، مؤكداً رغبة برلين في التعاون مع شركاء مستعدين “لتشكيل المستقبل معاً” لضمان رفاهية وأمن ألمانيا الاجتماعي.
رسالة حازمة لواشنطن
لم يكتفِ ميرتس بمد الجسور نحو الشرق، بل وجه انتقادات مباشرة لسياسة الرسوم الجمركية التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقال ميرتس: “إذا كان الأمريكيون يعتقدون أن بإمكانهم استخدام سياسة الجمارك للتأثير على العالم أجمع.. فهذا قرارهم، لكنه ليس سياستنا”. وأكد أن أوروبا مستعدة للرد وحماية مصالحها الاقتصادية إذا ما تجاوزت الضغوط الأمريكية الحدود المقبولة.
الاقتصاد أولاً: ضغوط قطاع السيارات
تأتي هذه الزيارة في وقت حساس لصناعة السيارات الألمانية؛ حيث حذر المدير التنفيذي لشركة BMW، أوليفر زيبس — الذي سيرافق ميرتس في رحلته — من أن تجاهل السوق الصينية يمثل مخاطرة كبيرة بالنجاح الاقتصادي المستقبلي. وتعتبر الشركات الألمانية أن الوصول إلى السوق الصينية والابتكار المشترك معها ضرورة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها، رغم سياسات “تقليل المخاطر” (De-risking) التي تتبناها المفوضية الأوروبية.
أبرز ملفات الزيارة المرتقبة:

الشراكة الاستراتيجية: السعي لتأمين أسواق بديلة ومستقرة للصادرات الألمانية في ظل التهديدات الأمريكية.

التكنولوجيا الخضراء: تعزيز التعاون في مجالات الهيدروجين، والتنقل الكهربائي، والخدمات المالية.

السيادة الاستراتيجية: مناقشة مفهوم “الحكم العالمي” واستعادة دور الأمم المتحدة، وهو ما أبدى وزير الخارجية الصيني وانغ يي ترحيباً به خلال لقائه بميرتس في ميونيخ مؤخراً.

بينما تحاول برلين الموازنة بين حليفها التاريخي في واشنطن وشريكها التجاري الأكبر في بكين، يرى محللون أن زيارة ميرتس قد تكون بمثابة “إعادة ضبط” للعلاقات (Reset)، تهدف إلى تحقيق استقرار مدروس يحمي الاقتصاد الألماني من تقلبات السياسة الأمريكية في عام 2026.

يأتي هذا التحول رغم محاولات سابقة لتقليل الاعتماد على السوق الصينية، حيث جعلت المخاطر الجيوسياسية من الصين بديلاً استراتيجياً ضرورياً