المصالح والقيم في التاريخ والسياسات الدولية
رائد قاسم يكتب
- dr-naga
- 5 أكتوبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, الأندلس, التاريخ والسياسات الدولية, القيم, المصالح, عمر بن الخطاب
تقوم السياسة على قاعدة المصلحة أولا، وتأتي القيم في المرتبة الثانية، وربما الثالثة أو حتى الأخيرة، تبعا للموقف على الساحة.
كثيرا ما يحدث تعارض بين القيم والمصالح؛ القيم عنصر نظري معنوي، لا شك أنه عنصر محوري يتحول إلى قوة حية مؤثرة، مبنية على أسس تشريعية عملية، ذات مصدر مقدس أو مبجل، كالدين أو الأخلاق، متصل بالهوية الحضارية والشخصية التاريخية، ولكنه في النهاية عنصر نظري معنوي في ماهيته، قد يتعارض مع حتمية الواقع والمصلحة اليقينية.
أما المصالح، فهي عنصر حيوي متحرك ذو قيمة مادية، وآثار ونتائج مباشرة وملموسة، هي على قدر كبير من الأهمية.
والقيم تتصف بالثبات والنسبية، بينما المصلحة متغيرة وسريعة ومتناقضة. وفي التاريخ، ثمة أمثلة كثيرة على تضارب المصالح والقيم.
يظن البعض أن الأنظمة الديمقراطية، من المفترض أن تكون سياستها الخارجية متوافقة مع قيمها الدستورية والحضارية والأخلاقية التي تحكّمها في شؤونها الداخلية، وهذا خطأ فادح؛ فالسياسات الخارجية للدول تحكمها المصالح لا القيم
المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية في عصر ملوك الطوائف، استعان بدولة المرابطين في التصدي لخطر الممالك المسيحية، التي كانت بصدد شن حملة كبرى على الأندلس، وقد حذره مستشاروه من أن المرابطين قد يُسقطون حكم ملوك الأندلس في حال انتصارهم على الصليبيين، إلا أنه قال لهم إنه إن خُيّر بين الطرفين فسيختار المرابطين، ففي ظل حكمهم ستبقى الأندلس بيد المسلمين.
وقد صدقت توقعات المستشارين، فقد دخل يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، وأسقط ممالكها الواحدة تلو الأخرى. حينها، عمد المعتمد إلى طلب الدعم من ألفونسو السادس، ملك قشتالة، لمساعدته في الدفاع عن ملكه، وعندما علم ابن تاشفين سارع إلى غزو دولته وإسقاط حكمه.
تلك هي السياسة منذ نشأت؛ لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة. في كثير من الأحيان، لا يمكن فرض الأجندة القيمية النظرية الجامدة المعلبة على الواقع، الذي تتطلب معالجته النظر في تحقيق المصلحة وتقديمها على كل ما عداها.
الخليفة عمر بن الخطاب كانت له مواقف مشابهة في هذا الشأن، منها أنه أمر بإخراج عدد من الناس من جوار البيت الحرام في مكة بهدف توسعته، وقد احتجوا بأنه ليس له الحق في بيوتهم، فأجابهم بأنهم هم من يزاحمون الحرم، وليس الحرم ما يزاحمهم.
وفي الأثر أنه أوقف العمل بعقوبة السرقة في عام الرمادة سنة (18) هــ، وهنا قُدمت المصلحة من خلال حركة الواقع ومتطلباته الواضحة الجلية على النص الديني؛ لأن المصلحة عنصر حي، بينما القيم عنصر جامد، والمنطق السديد يقدّم الأول على الثاني دائما.
في الأثر أيضا أن مسلم بن عقيل، سفير الحسين لأهالي الكوفة، حانت له فرصة سانحة لقتل واليها الأموي عبيدالله بن زياد، وقد زين له هاني بن عروة قتله، وأنه إن قتله فسوف تصفو له الكوفة، وسيرسل من يؤمّن له البصرة ليسقط العراق بيد العلويين، ولكنه لم يفعل، متذرعا بالقيم التي تذم قتل العدو غيلة، وقد لامه هاني بن عروة وقال له: “لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا”، ويعني أن قيم المروءة والشجاعة لا تنطبق عليه وعلى أمثاله.
وكانت نهاية مسلم بن عقيل، كما هو معروف، أن أمسك به ابن زياد وقتله رميا من أعلى قصر الإمارة.
تظل القيم والمصالح عناصر متفاعلة بشكل دائم في الحضارة الإنسانية وحركة الإعمار البشري، وكثيرا ما تتنافر، وقليلا ما تلتقي
أتذكر أن أحد البنوك أطلق بطاقة ائتمانية متوافقة مع الشريعة الإسلامية… فمثلا، إذا ما استخدم العميل البطاقة فإنه سوف يعيد نفس المبلغ الذي استخدمه دون فوائد، التزاما بأحكام الفقه الإسلامي التي تحرم الربا، ولكن على العميل أن يدفع مبلغا شهريا ثابتا مقابل البطاقة، وقد فشل هذا الإصدار؛ فالبطاقات التقليدية أغلبيتها الساحقة لا تفرض أية فوائد ما دام العميل لم يستخدمها، والحق أن أية محاولة لفرض القيم على واقع أسسه مناقضة لها سيؤدي- لا محالة- إلى فشل وإخفاق، وقد يتسبب بأضرار جسيمة.
إن القيم ثابتة، ولكن تطبيقها ومساراتها نسبية، وتختلف ما بين أمة وأخرى. فالحق والحرية والسلام والكرامة والعدالة، جميعها قيم إنسانية متفق عليها بين الأمم والشعوب، ولكنْ ثمة اختلافات واسعة النطاق في نظمها وتشريعاتها وإسقاطها على الواقع.
والمصالح بين الدول قد تتضارب وقد تتلاقى… فمثلا، عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، تعارض الغزو مع مصالح أغلب البلدان الغربية والعربية، فالتقت القيم مع المصالح، وتآلفت تآلفا تاما وشبه مطلق، فكان تحرير الكويت من الغزو العراقي مشروعا تماما، ولم يلقَ معارضة تُذكر في العالمين العربي والغربي.
في الوقت نفسه، تدعم الولايات المتحدة إسرائيل، وهو ما أدّى إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية منذ 1967 حتى اليوم، وشنها الحروب، والاعتداءات التي لا تكاد تنتهي في المنطقة، في تعارض مع القوانين الدولية والقيم الإنسانية ومصالح دول وشعوب المنطقة.
أميركا قدمت مصالحها على القيم التي يمثلها القانون الدولي والحق العربي والفلسطيني المطلق، الذي لا يمكن إنكاره أو تجاوزه، وموقفها يتعارض أيضا مع مصالح دول وشعوب المنطقة.
في المقابل، كانت أميركا من الداعمين لحق شعب كوسوفو في الاستقلال عن صربيا، وحتى يومنا هذا فإن الولايات المتحدة ودول الغرب تحمي دولة كوسوفو من صربيا، التي لا تعترف باستقلال الإقليم وتتحين الفرص لإعادة ضمه إلى أراضيها.
هذا الموقف يتفق مع مواقف ومصالح الدول العربية والإسلامية، ويتلاقى مع القانون الدولي والقيم الدولية الداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن، في كلا المثالين، كانت المصلحة- لا القيم- هي الدافع والموجه، فتناقضت أميركا مع القيم في إسرائيل والتقت معها في كوسوفو.
الأمثلة في هذا المضمار كثيرة حقا… فمثلا، لا شك أن قادة حزب الله اللبناني يعرفون مدى القمع الذي كان يمارسه نظام الرئيس السابق بشار الأسد، ومدى فشله في إدارة الحكم في سوريا، وأن ثورة السوريين لم تأتِ من فراغ وإنما لعوامل داخلية كبرى، ورغم ذلك كانوا واقعين في مأزق عصيب؛ فهم ما بين القيم التي تؤكد على حق الشعب السوري في التغيير، وما بين مصالحهم المتعارضة مع سقوط نظام الأسد، وقد عمل حزب الله بالمبدأ الذي يقدم المصالح على القيم، ما أدّى إلى استمرار النظام السوري السابق لـ14 عاما، قبل أن تسقطه قوات المعارضة في أواخر 2024.
الجماعات الأفغانية كانت تتلقى دعما غير مباشر من الغرب وأميركا، وكان القادة الأفغان يدركون ذلك جيدا.. هنا توافقت مصالح الغرب مع الشرق في مواجهة المد الشيوعي السوفياتي.
لا شك أن المصالح مقدمة على القيم، لأنها العنصر الحي الذي تنتج عنه آثار مباشرة، ولعله بها يمكن إعادة الاعتبار للقيم مرة أخرى؛ فنحن نعيش في عالم قائم على نسبية القيم والأخلاق، ولكنه مطلق المصالح
من ناحية أخرى، يظن البعض أن الأنظمة الديمقراطية، التي تراعي بشكل كبير الحقوق والحريات المدنية، من المفترض أن تكون سياستها الخارجية متوافقة مع قيمها الدستورية والحضارية والأخلاقية التي تحكّمها في شؤونها الداخلية، وهذا خطأ فادح.
فالسياسات الخارجية للدول تحكمها المصالح لا القيم، وليس بالضرورة أن تنعكس القيم الحية في الداخل على السياسات الخارجية، التي قد تكون إمبريالية وسلطوية.
إسرائيل يقدمها كثيرون في الغرب على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بينما الدول المحيطة بها تحكمها أنظمة شمولية.. هذا لم يكن -ولن يكون- مسوغا لمشروعية وجود إسرائيل كدولة احتلال ذات طموحات توسعية.
إن كانت إسرائيل دولة مدنية في نظامها الداخلي، فهذا لا يجردها من كونها دولة احتلال، تضرب بعرض الحائط القانون الدولي، وأنها تسببت بمآسٍ كبرى للشعب الفلسطيني وللشعوب المجاورة لها، منذ نشأتها 1948.
في عالم اليوم، تبرز روسيا كقوة منافسة للولايات المتحدة، والشارع العربي يميل إليها، فالعرب- ودول العالم الثالث- لا تعنيهم ديمقراطية ومدنية الغرب، فالشعوب الأوروبية هي وحدها المستفيدة منها لا شعوب العالم الثالث.
وتكمن أهمية دول كبرى- كروسيا والصين- في كونها تمثل توازنا إستراتيجيا في العالم بين الشرق والغرب، والآمال معقودة عليها لتقود قطبا عالميا منافسا وموازيا للقطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وهذا- بلا شك- في صالح العالم الذي يجب ألا يظل تحت سيطرة قطب واحد مهما بلغ من المدنية.
والتجربة أثبتت أن القيم لا تنعكس بالضرورة على السياسات الدولية، التي تحكمها الصراعات والمصالح… لذلك، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا لا شك في أنها قيميا، وفي منظار القوانين الدولية، اعتداء على إرادة دولة تسعى للتخلص من هيمنة روسيا والتحول إلى بلد أوروبي، إلا أن مصالح الكثير من الدول والقوى والاتجاهات الأيديولوجية في العالم تقضي بانتصار روسيا، أو خروجها من معركة أوكرانيا غير مهزومة، وذلك للمحافظة على التوازن الإستراتيجي في العالم.
في إحدى المجلات العربية القديمة، وقعت على مقابلة لجنرال إسرائيلي، يقول فيها بكل وضوح إن إسرائيل تأسست كما تأسست أي دولة أخرى، حاربت وانتصرت فتأسست.
وضرب أمثلة عديدة على ذلك، كالمغول والعثمانيين، والأوروبيين عندما استوطنوا الأميركتين (الشمالية والجنوبية) وأبادوا الهنود الحمر.
وذكر أن اليهود حاربوا العرب وطردوهم من أرض فلسطين، وأسسوا دولتهم على أنقاض وجود العرب وتاريخهم، كما كان من شأن كافة الدول التي نشأت عبر التاريخ، ولم يأتِ على ذكر الحق المقدس في التوراة لليهود في أرض فلسطين، ولا المكانة المقدسة للقدس في الديانة اليهودية.
تظل القيم والمصالح عناصر متفاعلة بشكل دائم في الحضارة الإنسانية وحركة الإعمار البشري، وكثيرا ما تتنافر، وقليلا ما تلتقي.
في السنوات الماضية دعمت روسيا نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وكانت تستخدم الفيتو ضد أي مشروع قرار ضده في مجلس الأمن، وكان المندوب الأميركي في الأمم المتحدة ينتقد الحكومة الروسية بشدة لدعمها نظاما لا مجال لإنكار أنه يمارس القمع ضد شعبه، وهو متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحقه، إلا أن مندوب روسيا ذكّره أن بلاده تمارس نفس الدور مع إسرائيل التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية، وانتهاكاتها حقوق الإنسان الفلسطيني يشهد عليها العالم أجمع.
لا شك أن المصالح مقدمة على القيم، لأنها العنصر الحي الذي تنتج عنه آثار مباشرة، ولعله بها يمكن إعادة الاعتبار للقيم مرة أخرى؛ فنحن نعيش في عالم قائم على نسبية القيم والأخلاق، ولكنه مطلق المصالح.
# رائد قاسم
المصدر: الجزيرة