البلطيق.. الجاليات العربية بين أزمة اللجوء والاستخدام الجيوسياسي

"أزمة اللجوء والاندماج

الرائد: على غير المعتاد في المناطق الأوروبية الأخرى، لا تتمحور التحديات السياسية للعرب في دول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) حول الاندماج أو التمثيل البرلماني، بل حول البقاء على الحدود ومواجهة سياسات اللجوء المتشددة. وخلال الأيام الثلاثة الماضية، وتحديداً في الرابع من يونيو، عقدت دول البلطيق قمة طارئة في تالين لمناقشة التصاعد الجديد في محاولات عبور المهاجرين، ومنهم عرب، عبر الحدود البيلاروسية، مما أدى إلى إقرار تدابير أمنية أكثر صرامة.

تحولت هذه المجتمعات من مجموعات تبحث عن الاستقرار والاندماج الاقتصادي إلى عنصر ضغط حرج في قلب الصراع الدبلوماسي بين الشرق والغرب. فمع تصاعد حدة التوترات الحدودية واستخدام ملف الهجرة غير النظامية كورقة ضغط سياسية من قِبل أطراف إقليمية، وجدت الجاليات العربية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: أزمة لجوء إنسانية متفاقمة تفتقر لآليات الاستيعاب المرنة، وتوظيف جيوسياسي حاد يحول ملفهم الإنساني إلى أداة للصراع الأمني وبناء الجدران العازلة.

أزمة الحدود مع بيلاروسيا

وتُمثّل أزمة الحدود مع بيلاروسيا الذروة الجيوسياسية التي وضعت دول البلطيق في مواجهة مباشرة مع ما تصفه بـ”الحرب الهجينة”، حيث تتهم الحكومات في فيلنيوس وريغا نظام الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بتسهيل تدفق المهاجرين وتوجيههم عمداً نحو الحدود بهدف زعزعة استقرار دول الجوار. وقد شهدت الحدود موجات متجددة وثّقت فيها السلطات أدلة تثبت مرافقة القوات العسكرية البيلاروسية للمهاجرين نحو نقاط العبور، مما أدى إلى تضاعف وتيرة الهجرة غير النظامية الملتوية عبر سلاسل تهريب تنقل المهاجرين من بيلاروسيا إلى لاتفيا ثم ليتوانيا للوصول إلى الغرب الأوروبي.

ردع صارم ودبلوماسية “الجدران العازلة”
وفي مواجهة هذا التدفق، لجأت دول البلطيق إلى ردع صارم ودبلوماسية “الجدران العازلة” عبر عسكرة الحدود ونشر آلاف الجنود وحرس الحدود، مدعومين بجدران حديدية وأجهزة استشعار متطورة وتمديد مستمر للمناطق الأمنية المحظورة لتطويق أي ثغرات للتسلل. ولم تقتصر الإجراءات على التدابير الميدانية، بل اتخذت ليتوانيا خطوات حاسمة بإغلاق معابرها الحدودية مع بيلاروسيا بالكامل ولأجل غير مسمى، مبررة ذلك بالانتهاكات الأمنية المتكررة والتخوف من التهديدات السيبرانية واللوجستية المصاحبة للأزمة.
كلفة باهظة
وعلى الصعيد الإنساني:  دفعت الجاليات العربية وطالبو اللجوء كلفة باهظة جراء هذه الإجراءات، بعد أن شرّعت دول المنطقة قوانين طوارئ تسمح بالتعليق الفوري لحق تقديم طلبات الحماية الدولية واعتماد سياسة “الصدّ الفوري” (Pushbacks) للمهاجرين على الحدود. ونتيجة لهذه السياسات، يجد المهاجرون، وبخاصة القادمون من مناطق النزاع كالعراق وسوريا، أنفسهم محاصرين في الغابات والأحراش الحدودية الكثيفة وسط ظروف مناخية قاسية وإصابات بالغة، ليتحولوا إلى ضحايا مباشرين لتصفية الحسابات السياسية بين معسكري مينسك وموسكو من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

التحليلات وتحديات الجالية:
يوضح المركز الدولي للدراسات الدفاعية والأمنية في إستونيا في تقريره الصادر في الخامس من يونيو أن دول البلطيق لم تعد تنظر إلى المهاجرين العرب والشرق أوسطيين كطالبي لجوء بحاجة للحماية، بل كأدوات في حرب هجينة تشنها روسيا وبيلاروسيا. ويشير التحليل إلى أن التحدي الأكبر هو الطبيعة الأمنية البحتة التي تُعامل بها هذه الجاليات، حيث يتم احتجازهم في مراكز مغلقة على الحدود وإجراءات ترحيل سريعة.

ومن جانبه، صرح وزير الداخلية الليتواني في الرابع من يونيو بأن بلاده لن تسمح بتكرار سيناريوهات الابتزاز الهجينة، مؤكداً أن أي شخص يعبر الحدود بشكل غير قانوني سيتم إعادته فوراً، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه. في المقابل، حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن هذه السياسات الجماعية تنتهك مبدأ حظر الإعادة القسرية، وتضع اللاجئين العرب في مرمى النيران دون النظر في طلبات كل حالة على حدة.

الاستدلالات التاريخية:
تاريخياً، تعود جذور هذه الأزمة إلى عام 2021، عندما شهدت حدود بيلاروسيا مع بولندا ودول البلطيق أول موجة من الهجرة الهجينة التي جلبت آلاف المهاجرين من الشرق الأوسط. آنذاك، تعاملت دول البلطيق مع الأمر كأزمة طارئة، لكن ما يحدث في يونيو 2026 يُظهر أن هذه الدول قد حولت هذا التعامل المؤقت إلى سياسة دائمة ومأسسة. إن الاستدلال التاريخي هنا يوضح أن العرب في دول البلطيق محاصرون في صراع جيوسياسي أوسع بين الناتو وروسيا، وهم يدفعون ثمن هذا الصراع من حريتهم وحياتهم.

تواجه الجاليات العربية في دول البلطيق تحدياً وجودياً فريداً من نوعه في أوروبا، حيث يتم اختزال وجودهم في معادلة أمنية وجيوسياسية معقدة. وتؤكد قمة تالين الأخيرة أن دول البلطيق مصممة على إغلاق حدودها تماماً، مما يجعل من أي وجود عربي هناك محفوفاً بالمخاطر الأمنية والقانونية الجسيمة.

المصادر:
1. المركز الدولي للدراسات الدفاعية والأمنية في إستونيا، تقرير حول الهجرة الهجينة وأمن حدود البلطيق، 5 يونيو 2026.
2. تصريحات وزير الداخلية الليتواني خلال قمة تالين، 4 يونيو 2026.
3. بيان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول إجراءات دول البلطيق، 5 يونيو 2026.

اترك تعليقا