إمارة أفغانستان بين الزلزال والحصار

محمد كرواوي يكتب

حين نقارن بين مأساة أفغانستان اليوم وزلزال هاييتي سنة 2010، ندرك على الفور أن الاستجابة الدولية ليست نتاجا لآليات إنسانية محايدة، بل محكومة بخريطة النفوذ والمصالح.

فزلزال هاييتي، الذي أودى بحياة أكثر من مئتي ألف شخص، حشد على الفور مئات المنظمات الدولية، وأُرسلت سفن عسكرية أميركية، وفُتحت الجسور الجوية بشكل لم يسبق له مثيل.

لم يكن التضامن إذن بلا حساب؛ فقد جرى النظر إلى هاييتي كحديقة خلفية للولايات المتحدة، فكانت الاستجابة جزءا من إستراتيجية الهيمنة الإقليمية.

وعلى العكس من ذلك، حين ضرب الزلزال أفغانستان، وجدنا العالم يراقب من بعيد، متذرعا بغياب الاعتراف بالسلطة القائمة، وكأن الأرواح المزهَقة تحتاج إلى تأشيرة دبلوماسية كي تنقَذ.

لم يكن الزلزال في هاييتي مجرد كارثة طبيعية، بل لحظة لتجريب وصفة سياسية جديدة. وبالمثل، لم يكن الزلزال في أفغانستان مجرد كارثة طبيعية، بل لحظة لإعادة تكريس العزلة السياسية

التناقض في معيار التدخل الإنساني

يكشف هذا التناقض بجلاء أن معيار التدخل الإنساني ليس حجم المأساة أو شدة الكارثة، بل موقع البلد في موازين الجغرافيا السياسية.

في حالة هاييتي، وُظفت الكارثة لإعادة تشكيل الدولة وفق وصفات صندوق النقد والبنك الدولي، وحُولت المساعدات إلى أداة لإعادة ترتيب السلطة. بينما في أفغانستان، تُستخدم الكارثة اليوم أداة لعزل السلطة وتعميق الحصار.

وفي كلتا الحالتين، تتحول المأساة إلى فرصة للهيمنة، لكن الفرق أن هاييتي حظيت بفيض مشروط من المساعدات، بينما حوصرت أفغانستان في جفاف متعمد يضاعف المأساة.

النظام الدولي وازدواجية المعايير

هذا التفاوت في التعامل مع الكوارث الطبيعية يفضح التناقض الأخلاقي للنظام الدولي، الذي يرفع شعار الإنسانية حين تخدم مصالحه، ويتنكر له حين تمثل الإنسانية تهديدا لمعادلاته.

فلم يكن الزلزال في هاييتي مجرد كارثة طبيعية، بل لحظة لتجريب وصفة سياسية جديدة. وبالمثل، لم يكن الزلزال في أفغانستان مجرد كارثة طبيعية، بل لحظة لإعادة تكريس العزلة السياسية على بلد لم يُمنح حقه في الاعتراف.

ولعل أخطر ما يترتب على هذه الازدواجية هو أن الشعوب المعرضة للكوارث تفقد ثقتها في مفهوم الإنسانية ذاته؛ فإذا كانت الاستجابة مرهونة بالاعتراف السياسي، فإنها لم تعد إنسانية بل سياسية مقنَعة.

وهذا ما يجعل مأساة أفغانستان اليوم أكثر إيلاما: فهي لا تواجه فقط دمار البيوت والمستشفيات، بل تواجه انهيار المعنى ذاته للإنسانية في النظام العالمي.

تبرهن الكارثة السورية ثم الأفغانية أن النظام الدولي يتعامل مع المآسي وفق معيار واحد: من يخدم الاعتراف تُفتح له الأبواب، ومن يُقصى عنه يظل محاصرا حتى لو انهارت الأرض تحت قدميه

عناد النظام الدولي

بدل أن يكون الزلزال مناسبة لكسر العزلة عن أفغانستان، صار ذريعة لإدامتها. وهكذا تتحول الكارثة الطبيعية إلى كاشف لمدى عناد النظام الدولي، الذي لا يريد أن يتنازل عن أدوات الهيمنة، حتى في لحظات الموت الجماعي.

لكن ما يكشف عمق الأزمة هو أن النظام الدولي لم يعد يملك حتى القدرة على تبرير مواقفه بشكل مقنع؛ فكيف يمكن أن يبرر منع الطائرات الإنسانية من الهبوط، أو تأخير إرسال فرق الإنقاذ بذريعة الاعتراف؟

إن هذا السلوك يكشف عن طبيعة جديدة للنظام: لم يعد يتظاهر بالإنسانية كما فعل في هاييتي، بل صار يمارس اللاإنسانية بشكل معلن! وفي ذلك انحدار خطير يكشف أن الإنسانية لم تعد جزءا من المعادلة أصلا.

مأساة أفغانستان كأزمة كونية

تبرهن الكارثة السورية ثم الأفغانية أن النظام الدولي يتعامل مع المآسي وفق معيار واحد: من يخدم الاعتراف تُفتح له الأبواب، ومن يُقصى عنه يظل محاصرا حتى لو انهارت الأرض تحت قدميه.

وهذا ما يجعل المأساة اليوم لا أفغانية فحسب، بل كونية، لأنها تكشف عن سقوط التضامن كقيمة مؤسسة للنظام العالمي.

إن إدخال هذه المقارنات التاريخية يوضح أن ما يحدث في أفغانستان ليس حدثا معزولا، بل هو استمرار لمسار طويل من تسييس الكوارث الطبيعية.

ففي كل مرة تُستخدم المأساة كأداة لإعادة إنتاج النظام العالمي: في هاييتي عبر برامج إعادة الإعمار المشروطة، وفي سوريا عبر تكريس العقوبات، وفي أفغانستان عبر تجميد الاعتراف ومنع المساعدات. والنتيجة واحدة: تحول الضحية إلى رهينة في لعبة القوى الكبرى.

إن الدرس الأعمق هنا هو أن الكوارث الطبيعية تكشف دوما الكوارث السياسية المستترة.. فما يحدد مصير حياة الناس ليس فقط مدى قوة الزلزال، بل مدى قوة الحصار

انهيار الشرعية الأخلاقية

وإذا كان الزلزال في أفغانستان قد كشف هشاشة البنية التحتية المحلية، فإنه كشف أيضا هشاشة النظام الدولي نفسه، الذي لم يعد قادرا على ادعاء الشرعية الأخلاقية؛ فكيف يمكن لعالم يتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي أن يقف متفرجا أمام آلاف الموتى؛ بحجة أن حكومتهم غير معترف بها؟

هذا التناقض لا يهدد فقط مصداقية الخطاب الدولي، بل يهدد استقرار المنظومة نفسها، لأن الشعوب حين تفقد ثقتها في النظام العالمي، تبحث عن بدائل خارج حدوده.

الدرس الأعمق

إن الدرس الأعمق هنا هو أن الكوارث الطبيعية تكشف دوما الكوارث السياسية المستترة.. فما يحدد مصير حياة الناس ليس فقط مدى قوة الزلزال، بل مدى قوة الحصار.

وما يجعل مأساة أفغانستان اليوم أكثر فداحة هو أن الزلزال لم يقتل وحده، بل تواطأ معه نظام دولي قرر أن يمنع الهواء عن شعب بأكمله! وهكذا صار الموت في أفغانستان صناعة مزدوجة: صناعة الطبيعة وصناعة السياسة.

وإذا كان لا بد من استنتاج، فهو أن العالم يعيش لحظة تحول، حيث تتحول الإنسانية إلى خيار انتقائي لا قاعدة عامة، وهذا ما يفرض على كل من يسعى لفهم السياسة الدولية أن ينظر إلى الكوارث الطبيعية لا كمجرد أحداث جيولوجية، بل كاختبارات أخلاقية للنظام العالمي.

وفي كل هذه الاختبارات، يفشل النظام مرة بعد مرة، تاركا الشعوب ضحايا مزدوجين بين الطبيعة والهيمنة.

# محمد كرواوي

المصدر: الجزيرة