هولندا تحاول حماية اقتصادها التجاري وسط تباطؤ أوروبي متزايد

سوق العمل هو أحد عناصر القوة الهولندية

الرائد- تبدو هولندا في وضع أفضل نسبياً من بعض الاقتصادات الأوروبية الكبرى، لكنها تواجه اختباراً متزايداً بسبب اعتمادها الكبير على التجارة الدولية، في وقت تتباطأ فيه الاقتصادات الأوروبية ويزداد عدم اليقين بشأن الطلب العالمي.

وأظهرت بيانات حديثة أن الاقتصاد الهولندي نما بنسبة 0.4 في المئة على أساس فصلي في الربع الثاني من 2026، وهو ضعف متوسط التوقعات التي كانت تشير إلى نمو قدره 0.2 في المئة.

لكن هذا الأداء لا يعني أن هولندا بمنأى عن الضغوط. فالتوقعات الرسمية الأوروبية تشير إلى نمو يبلغ نحو 1 في المئة خلال 2026، مع استمرار ضعف ثقة المستهلكين وارتفاع معدلات الادخار الاحترازي، رغم استمرار نمو الأجور.

وتكمن خصوصية الاقتصاد الهولندي في اعتماده الكبير على التجارة الخارجية. فهولندا ليست فقط اقتصاداً أوروبياً متوسط الحجم، وإنما إحدى أهم بوابات التجارة إلى القارة، بفضل ميناء روتردام وشبكة النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والزراعة.

ولهذا فإن أي تباطؤ عالمي أو اضطراب في سلاسل الإمداد ينعكس سريعاً على الشركات الهولندية.

وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن النمو الهولندي سيبقى متواضعاً خلال 2026، مع تأثر النشاط بارتفاع تكاليف الطاقة وعدم اليقين العالمي وضعف الطلب الخارجي. وتتوقع المنظمة نمواً بنسبة 1 في المئة هذا العام قبل ارتفاعه إلى 1.4 في المئة في 2027.

لكن أحد عناصر القوة الهولندية هو سوق العمل. فالنقص في العمالة خلال السنوات الماضية دعم الأجور، الأمر الذي يساعد الاستهلاك، وإن كان في المقابل يزيد تكاليف الشركات ويجعل السيطرة على التضخم أكثر تعقيداً.

وتواجه الحكومة كذلك معضلة طويلة الأجل تتعلق بالإنتاجية. فقد دعا تقرير أعده الرئيس السابق لشركة «إيه إس إم إل» بيتر وينينك إلى استثمار ضخم في التكنولوجيا خلال العقد المقبل، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطائرات المسيّرة والمفاعلات النووية الصغيرة، بهدف منع تراجع القدرة التنافسية الهولندية.

هذه الدعوة مهمة لأن المشكلة الأوروبية لم تعد مرتبطة بالطاقة وحدها. المنافسة العالمية أصبحت تدور بصورة متزايدة حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبيانات، وهي مجالات تمتلك هولندا فيها نقاط قوة حقيقية، لكنها تحتاج إلى استثمارات مستمرة للحفاظ عليها.

وتعد شركة «إيه إس إم إل» مثالاً واضحاً على ذلك. فهولندا تمتلك موقعاً فريداً في سلسلة صناعة أشباه الموصلات العالمية، لكن المنافسة الأميركية والآسيوية والقيود المرتبطة بتصدير التكنولوجيا تجعل الحكومة أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين المصالح التجارية والأمنية.

وفي الجانب الاجتماعي، لا تزال أزمة السكن من أهم التحديات. ارتفاع أسعار المنازل ونقص المعروض يجعلان النمو الاقتصادي أقل انعكاساً على حياة فئات واسعة، وخصوصاً الشباب.

كما أن التحول المناخي يفرض تحدياً خاصاً على هولندا. فالتزامات خفض الانبعاثات وإعادة تنظيم الزراعة والنقل والصناعة تحتاج إلى استثمارات كبيرة، لكنها قد ترفع في المدى القصير تكاليف الإنتاج.

وهنا تختلف هولندا عن ألمانيا وفرنسا. فألمانيا تكافح لاستعادة قوتها الصناعية، وفرنسا تكافح ضعف النمو والعجز المالي، بينما تمتلك هولندا اقتصاداً أكثر مرونة، لكنها معرضة بصورة أكبر لتقلبات التجارة العالمية.

وتأتي هذه التطورات في وقت يقود فيه البنك المركزي الأوروبي منطقة اليورو نحو تشديد نقدي جديد. ويتوقع اقتصاديون في استطلاع رويترز أن يرفع البنك سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 10 سبتمبر إلى 2.5 في المئة، بعد ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3 في المئة خلال أغسطس.

ارتفاع الفائدة يمثل تحدياً للاقتصاد الهولندي، خصوصاً في قطاع الإسكان والاستثمار، لكنه قد يكون ضرورياً لمنع استمرار التضخم.

واللافت أن البنك المركزي الهولندي نقل جزءاً كبيراً من احتياطياته الذهبية إلى لندن كإجراء احترازي لمواجهة الأزمات، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى الاهتمام الأوروبي بمخاطر الأمن المالي والاضطرابات الجيوسياسية.

التوقع الأقرب هو استمرار النمو الهولندي ولكن بوتيرة معتدلة، مع بقاء التجارة والاستثمار والتكنولوجيا أهم مصادر القوة. وفي المقابل ستظل أسعار الطاقة وضعف الطلب العالمي والتضخم ومشكلة السكن عوامل ضغط.

والاختبار الحقيقي لهولندا لن يكون في قدرتها على تحقيق نمو موجب فقط، وإنما في قدرتها على حماية مكانتها كمركز أوروبي للتكنولوجيا والتجارة في عالم تتغير فيه سلاسل الإمداد، وتزداد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

*المصادر:
-رويترز، 30 يوليو 2026، بيانات نمو اقتصادات منطقة اليورو وهولندا في الربع الثاني.
-المفوضية الأوروبية، 21 مايو 2026، التوقعات الاقتصادية لهولندا.

اترك تعليقا