هل أخطأ حسن البنا… أم أخطأ قارئ تجربته؟

د محمد زويل يكتب

قراءة نقدية في قراءة الأستاذ محمد أحمد عوف
—-

لا يختلف اثنان على أن أي مشروع فكري أو حركي قابل للنقد والمراجعة، وأن الإمام حسن البنا -رحمه الله- ليس معصومًا، ولا رسائله نصوصًا مقدسة. لكن النقد العلمي يقتضي أن نقرأ الأفكار كما هي، لا كما نعيد نحن صياغتها، وأن نفرق بين مراجعة التجربة وإعادة بناء التاريخ وفق فرضيات لم تثبت.

وإذا كانت المقالة قد رفعت شعار “السنن الكونية والعلوم الإنسانية”، فإنها -في تقديري- وقعت في عدد من الإشكالات المنهجية.

أولًا: صناعة خصم من تصور مبسط.

صوَّرت المقالة رسالة التعاليم وكأنها تقول إن النهضة تتحقق آليًا بمجرد الانتقال من الفرد إلى الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة، وكأن الإمام البنا يقدم وصفة ميكانيكية مغلقة.
وهذا ليس دقيقًا.
فالإمام البنا لم يكتب كتابًا في علم الاجتماع السياسي، وإنما وضع برنامجًا تربويًا لحركة دعوية ناشئة. والمراحل التي ذكرها كانت ترتيبًا للأولويات، لا قانونًا حتميًا للتاريخ.
فالفرق كبير بين “الترتيب التربوي” و”الحتمية التاريخية”، والمقالة خلطت بين الأمرين.

ثانيًا: الخلط بين فشل التطبيق وخطأ الفكرة.

بعد قرابة قرن من تأسيس الجماعة، يتساءل الكاتب: لماذا لم تصل إلى الدولة؟
لكن هذا السؤال لا يكفي للحكم على فساد النظرية.
فكم من أفكار صحيحة أخفق أصحابها في تطبيقها، وكم من مشروعات سياسية فشلت بسبب القمع أو الاحتلال أو الانقسامات أو البيئة الدولية، لا بسبب خلل في أصل الفكرة.
إن تحويل النتيجة السياسية إلى دليل على فساد المنهج مغالطة منطقية معروفة.

ثالثًا: المبالغة في تصوير الدولة الحديثة.

صحيح أن الدولة الحديثة تمتلك أدوات تأثير هائلة في التعليم والإعلام والاقتصاد، لكن المقالة جعلت المجتمع وكأنه مادة خام تصوغها الدولة وحدها.
وهذا يتجاهل أن التاريخ المعاصر مليء بحركات اجتماعية ودينية وثقافية غيّرت مجتمعاتها رغم وجود دول قوية.
فالكنائس في أوروبا الشرقية، والحركة الحقوقية في الولايات المتحدة، وحركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا، كلها شواهد على أن المجتمع ليس تابعًا سلبيًا للدولة.
العلاقة أكثر تعقيدًا من هذا التصوير.

رابعًا: الاستشهاد بالتاريخ خارج سياقه.

استدل الكاتب بإسلام سعد بن معاذ، وثمامة بن أثال، وعمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين، وقطز، ليؤكد أن التغيير يبدأ من القمة.
لكن هذه الأمثلة لا تؤسس لقاعدة عامة.
فسعد بن معاذ لم يأت من فراغ، وإنما سبقه عمل دعوي قام به مصعب بن عمير.
وعمر بن عبد العزيز ورث دولة إسلامية قائمة أصلًا، ولم يؤسسها.
وصلاح الدين سبقته عقود من البناء السياسي والعسكري.
أما قطز، فقد وجد مجتمعًا مسلمًا ودولة قائمة ومؤسسات تعمل.
إذن هذه النماذج لا تنفي البناء المجتمعي، وإنما تؤكد التفاعل بين المجتمع والقيادة.

خامسًا: القفز من السنن القرآنية إلى الاستراتيجية السياسية.
استشهد الكاتب بقوله تعالى:
﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾.
وهذه الآية تتحدث عن معيار الإيمان والثبات في ميدان القتال، لا عن نظرية لإدارة الدول أو لبناء التنظيمات.
ولا يصح تحويل النصوص القرآنية إلى نماذج إدارية بمجرد التشابه اللفظي.
فالقرآن يقرر السنن العامة، أما تصميم المؤسسات والاستراتيجيات فيخضع لاجتهاد البشر.

سادسًا: الاستنتاج الكبير من رواية ظنية.

بنى الكاتب جزءًا مهمًا من مقاله على العبارة المنسوبة للإمام البنا:
“لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعكفت على تربية مائة شاب…”
ثم اعتبرها إعلانًا بإلغاء المشروع كله.
وهذا استنتاج لا تدعمه العبارة.
فحتى لو صحت الرواية، فإن أقصى ما تدل عليه هو تأكيد أهمية النوعية، لا إلغاء الجماهير، ولا نسخ رسالة التعاليم، ولا تغيير فلسفة الجماعة.
بل إن حسن البنا نفسه ظل حتى آخر حياته يكتب عن الأمة والمجتمع والدولة معًا.

سابعًا: الانتقال من الاحتمال إلى الجزم:.

تمتلئ المقالة بعبارات مثل:

“هذا أحد أسباب اغتيال البنا.”

“المنظومة العالمية أدركت خطورته.”

“رفض إرسال الجنود.”

“كان يستطيع القضاء على مجموعة يوليو.”

وكلها قضايا تاريخية خلافية تحتاج إلى وثائق قطعية، لا إلى شهادات فردية أو استنتاجات.
والبحث العلمي يفرق بين الرواية، والاحتمال، والحقيقة التاريخية.

ثامنًا: الخلط بين التنظيم الخاص والنخبة النوعية:.

اعتبرت المقالة أن النظام الخاص دليل على تطور رؤية الإمام البنا نحو النخبة. وهذا خلط واضح.
فوجود جهاز خاص له سياق أمني وعسكري معين، ولا يعني أن الإمام تخلى عن البناء المجتمعي أو أصبح يرى أن النخبة السرية وحدها تصنع النهضة.
فهذه قفزة في الاستنتاج لا يسندها الدليل.

تاسعًا: تركيا ليست دليلًا على إبطال رسالة التعاليم:.

كرر الكاتب الاستشهاد بالتجربة التركية.
لكن التجربة التركية نفسها قامت على عمل اجتماعي طويل، وجمعيات أهلية، ونقابات، وبلديات، وتعليم، وإعلام، وتدرج سياسي امتد لعقود.
أي إنها جمعت بين بناء الإنسان، وبناء المؤسسات، والعمل السياسي، ولم تعتمد على السيطرة من أعلى فقط.
ولهذا فإنها أقرب إلى فلسفة التكامل التي طرحها البنا، لا إلى نفيها.
ختاما:
المقال يثير أسئلة مهمة حول العلاقة بين التربية والسياسة، وبين الدولة والمجتمع، وهي أسئلة تستحق البحث.
لكن المشكلة أنه بنى نقده على قراءة اختزالية لفكر الإمام حسن البنا، ثم نسب إليه ما لم يقله، وبعد ذلك أعلن تجاوزه.
إن النهضة ليست فردًا بلا دولة، ولا دولة بلا مجتمع، ولا نخبة بلا جماهير، ولا جماهير بلا نخبة.
والسنن الإلهية نفسها تعلمنا أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالاختزال، وإنما بالتكامل بين بناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وكفاءة المؤسسات، وحسن إدارة السلطة، واستيعاب معادلات القوة في كل عصر.

ولهذا فإن مراجعة تجربة الإمام حسن البنا مطلوبة، لكن المراجعة العلمية تبدأ من فهم النص كما هو، لا من إعادة إنتاجه في صورة يسهل نقدها.

اترك تعليقا