نهاية الحجاج .. ليتعظ كل ظالم
د مصطفى القليوبي يكتب
- dr-naga
- 7 يونيو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الحجاج بن يوسف, الظلم, العذاب, د مصطفى القليوبي, طاغية بني أمية, نهاية الحجاج
مات الحجاج بن يوسف، طاغية بني أمية، ميتةً قلَّ أن يُعرف لها نظير في تاريخ الجبابرة والطغاة؛ ميتةً أحاطت بها أنَّات المظلومين، ودعوات عشرات الآلاف من القتلى والمسجونين والثكالى والأرامل، ممن ذاقوا على يديه ألوان الظلم والعذاب.
ابتلاه الله في آخر أيامه بداءٍ عجيب، حتى ذُكر أن الدود كان ينخر أحشاءه، فصار جوفه كالموقد الملتهب، يكتوي بنارٍ لا تنطفئ. وجاء الأطباء يداوونه، فأدخلوا قطعة لحمٍ في جوفه ثم استخرجوها، فإذا هي قد امتلأت بالديدان. فكان عذابًا يجمع بين ألم النار في باطنه، والبرد الشديد في ظاهره، حتى كانوا يوقدون حوله النيران العظيمة ليدفعوا عنه قسوة الزمهرير، فلا يزيده ذلك إلا عذابًا على عذاب.
سبحان من قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
ظل الحجاج يتقلب في هذا البلاء أيامًا، حتى أدركه الموت بعد حياةٍ ملأها بطشًا وسفكًا للدماء. مات الذي قتل خلقًا كثيرًا من الصحابة والتابعين، وضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق في الشهر الحرام، واستخف بالدماء والحرمات.
وكان من أعجب ما يُروى عنه أنه بعد قتله التابعي الجليل سعيد بن جبير رحمه الله، لم يُسلَّط على أحدٍ بعده. وقد دعا سعيد عند مقتله: «اللهم لا تسلطه على أحد بعدي». فاستجاب الله دعاءه، فلم يقتل الحجاج أحدًا بعده.
بل كان الحجاج في أواخر أيامه يفزع من نومه صارخًا: «ما لي ولسعيد بن جبير؟! هذا سعيد بن جبير آخذٌ بعنقي يقول: فيم قتلتني يا ظالم؟».
ثم مات، ودُفن في مدينة واسط التي أنشأها بين الكوفة والبصرة، وقيل إن قبره أُخفي خوفًا من أن تمتد إليه أيدي المظلومين وذويهم.
يا لها من عبرة! يخافون على الظالم من ضحاياه حتى بعد أن صار تحت أطباق الثرى.
وقد فرح كثير من علماء عصره بهلاكه، ومنهم الإمام الحسن البصري رحمه الله، لما رأوا من عظيم ظلمه وجوره.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾.
إنها آيات تهز القلوب، وتذكر كل ظالم بأن وراء هذه الدنيا حسابًا لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وأن دعوة المظلوم لا تضيع عند الله، وإن تأخر أوان الإجابة.
اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وأهله، ونسألك العفو والعافية والسلامة في الدين والدنيا والآخرة.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
د مصطفى القليوبي- استاذ شريعة