نتنياهو وترامب في الأمم المتحدة.. استعراض للقوة أم اعتراف بالفشل؟
تحليلاً يكشف ما يُعرف بالسخرية السياسية النقدية
- dr-naga
- 26 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات, فعاليات ومؤتمرات
- الأمم المتحدة, الجمعية العامة للأمم المتحدة, السخرية السياسية النقدية, الفشل, القوة, ترامب, زهران ممداني, نتنياهو
إعداد الباحث/ أحمد دعدوش
استمعنا مؤخراً لخطابي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد أصبحا بالفعل موضع سخرية العالم. سنعلّق في هذا التقرير على أهم ما قالاه، معتبرين إياه تحليلاً يكشف التناقضات، أو ما يُعرف بالسخرية السياسية النقدية.
تُعد الجمعية العامة للأمم المتحدة المنتدى الدولي الذي يجمع كل دول العالم تقريباً المعترف بها. سنوياً في هذا الوقت من شهر سبتمبر، يجتمع رؤساء هذه الدول أو أكبر عدد منهم للإدلاء بكلماتهم. إنها منتدى يلقي فيه كل رئيس خطاباً أو يعرض رأيه أو صراعه، وليست مكاناً لاتخاذ القرارات الملزمة مثل مجلس الأمن. لذلك، نسمع كل عام كافة الرؤى، وأحياناً يحدث تنابز بالألفاظ بين القادة، ويرد أحدهم على الآخر، كما تُعتبر مناسبة لتسجيل كلمات تاريخية، مثل كلمة الرئيس ياسر عرفات وتشيفي وغيرهما من القادة.
في هذه الدورة، وهي الدورة الحادية والثمانون، ما بين 22 و28 أيلول/سبتمبر 2026، اجتمع حوالي 130 من رؤساء الدول والحكومات شخصياً في هذا “الأسبوع الرفيع” لإلقاء الكلمات. سنركز في هذا التقرير على أهم كلمتين تهمنا في هذا السياق، وهما كلمتا ترامب ونتنياهو.
ثانياً: ورطة نتنياهو القانونية والسياسية في نيويورك
نبدأ بما سبق كلمة نتنياهو. كما نعلم، نتنياهو مطلوب الآن للمحاكمة والسجن من قبل المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة. لذلك، أعلن عمدة نيويورك، زيد ممداني، الذي يقع فيه مقر الأمم المتحدة، سابقاً، حتى عندما كان مرشحاً لهذا المنصب، أنه إذا وطأت قدم نتنياهو مدينته، سيحاول القبض عليه. لاحقاً، وفي تموز/يوليو، أعلن مرة أخرى أن إدارته بحثت ما إذا كانت لديها صلاحية قانونية لاعتقال نتنياهو، ثم أوضح أن مستشاريه أخبروه أن سلطاته شخصياً لا تسمح له بإصدار مذكرة اعتقال. ومع ذلك، كانت كلماته هذه قوية جداً وأزعجت إسرائيل.
قبل أسبوع من انعقاد هذه الدورة، قال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن عمدة نيويورك طرح ادعاءً مثيراً للضحك بأنه يستطيع أو ينبغي عليه اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. ثم أضاف أنه إذا كان هناك من يجب اعتقاله، فهو والعمدة ممداني، متهماً إياه بأنه يلتقي بأعداء الأمم المتحدة، في إشارة إلى الإيرانيين. هذه هي الأجواء التي سبقت وصول نتنياهو.
ترددت أيضاً أنباء كثيرة عن أن نتنياهو يخشى الوصول إلى الأمم المتحدة أو دخول نيويورك، وأنه سينزل في مطار “نيوآرك” وليس في المطار الأقرب إلى نيويورك، ولن يقضي حتى ليلة واحدة هناك؛ بل سيتوجه فقط إلى الأمم المتحدة لإلقاء الكلمة ثم يغادر. بالطبع، لا شك في أنه من المستحيل عملياً أن يُقبض على نتنياهو في أمريكا، ولكن من الواضح أنه يواجه رفضاً شعبياً وسياسياً. كانت هناك مظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة ضده، ولم تكن فقط من العرب أو الفلسطينيين، بل من جنسيات مختلفة، مما يوضح تزايد الرفض الدولي والشعبي لهذا الكيان.
ثالثاً: الانسحاب الجماعي للوفود ومواقف نتنياهو الاستفزازية
كما كان متوقعاً، بمجرد دخول نتنياهو إلى قاعة الأمم المتحدة، انسحب عدد كبير من الأعضاء. هناك من يقول إن أكثر من 100 وفد من دول، بما فيها دول أوروبية، انسحبوا بمجرد دخوله. في العام الماضي انسحب 77 وفداً، أما الآن فأكثر من 100 وفد، مما يوضح مدى شعور إسرائيل بالعزلة الدولية.
من الطريف أن نتنياهو، لإنقاذ نفسه من هذا الحرج، يبدو أنه أمر وفده بالوقوف والتصفيق له والهتاف، وكأنه أحد الطغاة الذين يهتف لهم أتباعهم. فبينما كان الناس يهربون ويخرجون من القاعة، كان هؤلاء يصفقون له. ووقف هو أيضاً بكل وقاحة وقال: “هل ما زال هناك المزيد من الجبناء الذين لم ينسحبوا؟”، واصفاً الذين انسحبوا بأنهم “جبناء أخلاقياً”.
ثم بدأ يبث سمومه في هذه القاعة، قائلاً إن الكيان الذي يقوده يتعرض لخطر الإبادة، وإنهم سينتصرون لأنه لا يوجد خيار أمامهم. وقال إن إيران ومن معها من “حزب الله” والحوثيين وغيرهم أرادوا محو إسرائيل ويعملون على ترتيب صفوفهم لاستهدافها. وأكد أن الكيان يدافع عن وجوده في “حرب وجودية”، وأن الحرب ضد إيران كانت لتدمير منشآتها النووية، وأن هذه المهمة، رغم صعوبتها، كانت قراراً سهلاً من أسهل القرارات التي اتخذها بنفسه. وزعم أنه لو لم يُدمر المنشآت النووية الإيرانية، لكان الكيان في عداد الموتى. وأهم نقطة هنا أنه وصف ترامب بأنه “يبقى أكبر شريك لنا”، متجاهلاً أن بعض العرب انتخبوا ترامب باعتباره “رئيس السلام” الذي سيكون أفضل من بايدن، كما زعموا.
رابعاً: تفاخر نتنياهو بجرائم الحرب وادعاءاته التاريخية
من أغرب المشاهد في كلمة نتنياهو أنه رفع جهاز “بيجر” بكل وضوح أمام كاميرات العالم، وقال: “هل تذكرون أجهزة البيجر؟ حزب الله يتذكر هذا اليوم جيداً، لقد ضربناهم بشدة”. نشير هنا إلى حدث تفجير مئات أو آلاف أجهزة البيجر الخاصة بأعضاء حزب الله في 17 أيلول/سبتمبر 2024، في مثل هذه الأيام قبل عامين. مع أن إسرائيل وقتها لم تثبت ولم تعترف رسمياً، لكنها لمحت إلى أنها من وراء ذلك. والعجيب الآن أن رئيس دولة يقف في هذا المنتدى ويتباهى بأنه كان وراء هذه العملية التي تخالف كل القوانين الدولية، لأن الكثير من الضحايا كانوا مدنيين؛ فالأجهزة التي انفجرت في أيدي وجيوب عناصر حزب الله كانت في الأسواق والمنازل وأماكن مدنية أخرى.
بعد ذلك، تحدث عن سوريا، قائلاً إن اليهود موجودون في الجولان منذ عهد موسى عليه السلام. هذا كان رداً على كلام أحمد الشرع مؤخراً بأن الجولان ليست حقاً لأحد، وأن أحمد الشرع قال أيضاً لترامب إنه لا أحد يملك الجولان، فليس من حق ترامب أن يعطيها لنتنياهو، وسأله: “لماذا لا تعطي نيوجيرسي لنتنياهو إذا كنت تملكها؟”.
نقول بكل بساطة: ما علاقة يهود موسى عليه السلام، إذا كانوا مؤمنين بالفعل برسالة موسى عليه السلام، بيهود اليوم؟ فآباء وأجداد من يحكم إسرائيل الآن وُلدوا في أوكرانيا وأوروبا الشرقية.
ثم ادعى أن تركيا ترغب في الاستيلاء على أجزاء واسعة من سوريا، وكأنه مهتم بمصير سوريا واستقلالها، بينما هو يستولي على الجولان. وهاجم أردوغان بكل وضوح، واصفاً إياه بالطاغية الذي يستضيف قادة “الحركة الخضراء”، ويقتل آلاف الأكراد، وينكر إبادة الأرمن، ويسجن الصحفيين والمعارضة. بالطبع، كل قادة العرب المطبعين معه يفعلون أكثر من هذا بمليون مرة، ولكن لا مشكلة، فهم جميعاً من “دعاة السلام” في نظره.
خامساً: هجوم نتنياهو على الاستعمار الغربي وقطر
من الغريب أيضاً أن نتنياهو رد على اتهامات لإسرائيل بممارسة الاستيطان أو الاستعمار، قائلاً إنه من الغريب أن تصدر هذه الاتهامات عن بريطانيا وفرنسا، لأنهما قبل يومين تقريباً من ظهوره، انتقدتا الانتهاكات في الضفة الغربية والاستيطان المتوسع المخالف للقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. فقال: “هم يتهمون إسرائيل الصغيرة بالاستعمار؟ أي استعمار هذا؟ ومن يتهمنا من بينهم في بريطانيا وفرنسا؟ هذان البلدان هما من أوجدوا هذا المصطلح. كفى كذباً، فقد استعمرتم العالم”.
من كان يتصور في هذه المرحلة من التاريخ أن يتحدث قائد هذا الكيان بانتقادات للدول الاستعمارية التي هي أصلاً زرعت هذا الكيان في هذه المنطقة؟ كلنا نعرف من الذي أعطى “وعد بلفور”، ومن الذي أعطاه لليهود البريطانيين على رأسهم روتشيلد، بأن الملكة تنظر بعين العطف لهذه القومية بأنها تستحق أن تنشئ وطناً قومياً على فلسطين التي كانت تعتبر مستعمرة بريطانية. فهو الآن ينتقد هذا الاستعمار الذي أنشأ دولته الاستعمارية في المنطقة لأنها تتوسع الآن بطريقة غير قانونية. هم بالطبع لا مشكلة لديهم لا بوجود هذا الكيان ولا بتوسعه، ولكن يريد أن يكون كل شيء منضبطاً تحت سيطرته، فيقول لهم: “نحن لا نريد أن تفرضوا علينا قراراتكم، ولا أن تعلمونا كيف نستعمر وكيف نتوسع وكيف نقتل”.
تحدث أيضاً عن الجرائم التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية، قائلاً إن بعض المواطنين ينفذون ذلك “دفاعاً ذاتياً عن أنفسهم”، لكن الصحافة العالمية تسمي ذلك “عنف المستوطنين”. ووصف بعض الانتهاكات التي يمارسها بعض المستوطنين بأنهم “حفنة من الأحداث المنحرفين” الصغار الذين قد يمارسون بعض الجرائم.
بعد ذلك، قال إن الكيان يخوض حروباً على سبع جبهات، وأضاف: “إضافة لهذه الجبهات، لدينا معركة أساسية نخوضها مع محاولات تزييف الوعي في الصحافة العالمية”. هذا اعتراف واضح بأن هذا الكيان يخوض الآن معركة في العالم كله، واعتراف متجدد بما أكثر ما تحدث عنه نتنياهو، وهو أنهم يخوضون “معركة وعي”، وأن المشكلة الأكبر صارت بوعي “الجيل زد” والشباب في الغرب أنفسهم، الذين يقودون بأنفسهم المظاهرات والانتقادات ضد هذا الكيان.
ولم يكتفِ بذلك، بل اتهم دولاً أجنبية، بما فيها من يسمون “أصدقاء إسرائيل”، بأنهم ينفقون مليارات لا تحصى لنشر الأكاذيب. ومن هذه الدول، اتهم قطر بالاسم، قائلاً إنها أول من يفعل ذلك.
*(ملاحظة جانبية: ما هي الجبهات السبع التي تقود إسرائيل حروباً ضدها؟ لم يعددها هنا، ولكن في مصادر أخرى، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن أنها: إيران، غزة، لبنان، اليمن، سوريا، العراق، والضفة الغربية). هذا يعيد فوراً إلى الذهن مشروع “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل التوراتية” التي تريد أن تحارب في كل هذه الجبهات لتتوسع، وليس فقط للحفاظ على حدودها. في العام الماضي، في مقابلة مع قناة “RT” الأوروبية، صرح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، بأن إسرائيل ستتوسع تدريجياً لتشمل في نهاية المطاف كل الأراضي الفلسطينية المعترف بها حالياً، بالإضافة إلى الأردن ولبنان ومصر ودول عربية أخرى، وقال حرفياً: “مكتوب أن مستقبل القدس هو التوسع حتى دمشق”.*
سادساً: هجوم نتنياهو الشخصي على عمدة نيويورك ممداني
نعود إلى كلمة نتنياهو، حيث هاجم قطر مجدداً، قائلاً إنها بدأت منذ عقود بتمويل جامعات أمريكية وقنوات مثل الجزيرة بهدف “غسل أدمغة” الشباب في أمريكا والعالم.
ثم انتقل لمهاجمة عمدة نيويورك شخصياً. قال: “السيد ممداني، منذ أن انتُخبت عمدة لهذه المدينة، يشعر العديد من اليهود بعدم الأمان في نيويورك”، وزعم أن هذه المدينة تغيرت بسرعة. (نيويورك هي موطن لأكبر عدد من اليهود في العالم، إلى قبل سنوات قليلة، والآن صارت تل أبيب أو إسرائيل فيها العدد الأكبر).
واتهم ممداني بأنه يمدح المجرمين، وقال إنه صديق لأشخاص مثل “حسن بايكر”، الذي يقول إن أمريكا استحقت ما حدث في هجمات سبتمبر. من العجيب أن شخصاً مثل نتنياهو، رئيس دولة عمره أكثر من 70 عاماً، ينطق باسم أشخاص مثل حسن بايكر، وهو مذيع مباشر (ستريمر) شاب صغير عمره بالكاد يصل إلى 30 عاماً. حسن بايكر هو شاب يساري، قريب جداً من تيار ممداني التقدمي الاشتراكي. هو لا ديني من أصل تركي، ولد في أمريكا وعاد إلى تركيا، وعلماني، لكنه يعتبر نفسه “مسلمان بالثقافة”. كان يعمل في شبكة الشباب التركية، وهو يقدم بثاً مباشراً لساعات كل يوم على منصة مخصصة لألعاب الفيديو، ويتحدث أحياناً عن السياسة، فصار من قادة التيار السياسي اليساري. من العجيب أن يتحدث نتنياهو عن شاب صغير كهذا بالاسم.
كما انتقد نتنياهو زوجة ممداني، زاعماً أنها ضغطت على “إعجاب” (لايك) لمنشور يمدح ما حدث في 7 أكتوبر، وأنها أعجبت بمنشور آخر يقول إن تل أبيب لا يجب أن توجد.
فعلاً، من العجيب أن يرى رئيس دولة نفسه مضطراً لمراقبة من يضع “لايك” على أي منشور، حتى لو كانت زوجة مسؤول وليس لها أي منصب. الخلاصة: هذه كلمة شخص لديه قوة هائلة ويحارب على كل هذه الجبهات، لكنه عندما يرى أكثر من 100 وفد يغادرون، ويرى أن العالم كله لم يعد قادراً على تحمل أكاذيبه، يصرخ بكل هذا الخطاب. هذا دليل واضح على أن الكيان يشعر بالفعل بأنه في آخر أيامه ويواجه معركة وجودية.
سابعاً: خطاب ترامب: استعراض القوة والأكاذيب المتكررة
نصل الآن إلى كلمة ترامب، والتي كانت قبل كلمة نتنياهو بيومين. نحن نعرف أن ترامب معتاد على الكذب على قاعدة أنصاره، فكثير منهم، حسب الإحصاءات، ليسوا متعلمين أصلاً. فهو يكذب عليهم بالإحصاءات وبكل شيء، وهو واثق من أنهم سيصفقون له لأنه شعبوي. لذا، لا مشكلة لديه في استعراض قوته والتباهي بأنه سيقود أمريكا لتصبح “عظيمة مرة أخرى”، حتى لو هاجم خصومه الديمقراطيين بالأكاذيب.
لكن عندما يقف أمام رؤساء العالم في منتدى الأمم المتحدة، وهم ضيوف في بلده، ويستعرض بأنه يقود أقوى دولة في العالم، وأن هذه الدولة لديها أقوى اقتصاد وأقوى جيش، فهذه مهزلة. بغض النظر عن الأخلاق أو عدم احترام الضيوف، سياسياً ودبلوماسياً هذا مرفوض، وتاريخياً، لا يصرح بهذه التصريحات إلا قائد إمبراطورية في مرحلة الانهيار. فالأقوياء لا يستعرضون بهذه الطريقة. أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، عندما صارت أقوى إمبراطورية في العالم، لم نسمع بأي رئيس أمريكي يصرح بهذه الطريقة ويتباهى أمام الآخرين، بما فيهم الأصدقاء والخصوم.
في خطاب العام الماضي، ألقى كلمة طولها 57 دقيقة، وصفتها الصحافة الأمريكية بأنها “57 دقيقة من الأكاذيب”، وأحصوا كل ما فيها من أكاذيب، مثل تفاخره بإنهاء سبع حروب بعد أقل من سنة من بدء حكمه، وزعمه أنه كان يطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام. الآن، أعاد نفس الأكاذيب.
من أهم ما قاله في خطابه الجديد: غابت بعض الدول عن الجلسة، وانسحب وفد كوبا ووفد إيران أثناء كلامه عندما تحدث عنهما.
بدأ كلامه بصادمة، قائلاً إن أمريكا عادت عظيمة، وبلدنا اليوم أقوى من أي وقت مضى، وأمريكا تعيش الآن في “العصر الذهبي”. وأكد أن الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم، وأنه يستخدم القوة العسكرية لتأكيد مكانة بلده، قائلاً: “بصفتي رئيساً لأكثر دولة استثنائية في التاريخ، ليس لدي أي مصلحة في ترك الأخطار تنمو ليوم آخر”.
وتباهى بأن قطاع الطاقة الأمريكي صار الآن يمد العالم كله بالوقود (وهو الذي تسبب بأزمة الوقود مع إيران). وأكد استعادة “السيادة الأمريكية الكاملة”، ورفضه أي إملاءات من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهو واقف في منبر الأمم المتحدة يقول لها: “أنتِ لا سلطة لكِ عليّ، وأنا الذي سيفرض سلطته على العالم كله”، وأن شعار “أمريكا أولاً” سيبقى مرفوعاً.
ثم أعلن أن جيشه دمر بالكامل البرنامج النووي الإيراني وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وأنه الآن أمام خيارين: إما إبرام اتفاق شامل مع طهران بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (وهو أكبر تحدي له الآن، خصوصاً أنه خسر الكثير من شعبيته حسب استطلاعات الرأي)، أو تدمير “الجمهورية الإسلامية” بسرعة. لاحظ أنه يدعو دول العالم للمشاركة في حصار اقتصادي شامل على إيران. فإذا كان قد دمر البرنامج النووي وكل أسلحة إيران، فعلى ماذا يتفاوضون الآن؟ ولماذا يدعو الدول الأخرى للمشاركة في هذا الحصار إذا كان قوياً إلى هذه الدرجة؟
في الملف الفلسطيني، زعم أن إدارته أنهت الحرب في قطاع غزة، وأن 30 دولة تقريباً انضمت إلى “مجلس السلام” الذي يقوده بنفسه.
ثامناً: الردود الدولية على خطاب ترامب
ردّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عليه بعد ساعات، عندما صعد إلى المنبر، قائلاً: “قبل عام كنا في هذه القاعة، واعترف نحو 12 دولة بفلسطين، والآن نسمع لا مبالاة البعض. الاعتراف مجرد ورقة، انظر إلى الواقع. ما الذي يحدث الآن في الواقع؟ غزة ما زالت تعاني. ما هي مصداقيتنا إذا واصلنا التراخي إزاء غزة؟ يتباهى البعض بسلام مزعوم”. وتحدث عن ترامب بدون ذكر اسمه، قائلاً: “لكن هذا السلام لم يفتح، ولو للحظة واحدة، الطريق مجدداً أمام المساعدات الإنسانية. هل سنقف مكتوفي الأيدي ونشاهد هذا المشهد الذي ينبغي أن يشعرنا بالخجل جميعاً؟”.
بغض النظر عن المواقف السياسية لماكرون، إلا أنه يشكر على هذه الصراحة، خصوصاً عندما قال إننا أمام مشهد ينبغي أن يخجل منه الجميع، وكرر هذه الانتقادات أكثر من مرة. لذلك، حتى نتنياهو لاحقاً انتقده بشدة.
نعود إلى كلمة ترامب، حيث زعم أنه منذ توليه منصبه ساهم في إنهاء ثماني حروب، بعضها استمر عقوداً، وأنه تدخل بصورة حازمة لجعل العالم أكثر أمناً واستقراراً. (العام الماضي زعم أنه أنهى سبع حروب، والآن يقول ثماني حروب، وفي العام المقبل سيقول إنه أنهى عشر حروب). كثير من شعبه الآن يعرف أنه هو المتسبب بأزمة مضيق هرموز، وأنه هو الذي أطلق حرباً ضد إيران لا مصلحة للأمريكيين فيها، بل يشتكون الآن من ارتفاع أسعار النفط.
تاسعاً: خاتمة التقرير
خلاصة هذه الكلمة، وككلمة نتنياهو، تؤكد أننا أمام اثنين من قادة الدول العظمى النووية التي تفعل ما تريد ولا أحد يقف بوجهها. ولكن مع ذلك، لم يقفا ليصرحا بهذه الأكاذيب ويطالبا الآخرين بالوقوف معهم، إلا لأنهم يشعرون بالفعل أن البساط ينسحب من تحت أقدامهم.
لاحظوا مثلاً أن رئيس الصين أو وفده، عندما يلقي كلمته، لن يتحدث بهذه الصيغة، ولن يستعرض أو يتباهى، لأن أفعاله يراها العالم كله ويعلم أن الصين صاعدة، فهو ليس بحاجة للتباهي، ولا لتوعد الخصوم، ولا لإطلاق التهديدات، ولا لمطالبة الآخرين بالوقوف معه ضد أعدائه. هو يخطط ويعمل ببطء شديد ويصعد بالتدريج.
ولكن الإمبراطوريات عندما تنهار، تجد من قعدتها مثل هذه التصريحات، وهذا الصراخ، وكل هذا الضجيج، خصوصاً عندما يكون قائدها لا يستحيي مثل هذه الشخصية.
نتمنى وندعو الله أن يفرج عن أهلنا في غزة في أسرع وقت، وأن يعم السلام على كل بلادنا.
—
إعداد وتقديم: الباحث أحمد دعدوش
المصدر: قناة السبيل (Al-Sabeel)
تاريخ الإعداد: سبتمبر 2026