ميانمار.. حقوق الإنسان تحت وطأة الحرب
في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني تداعيات الانقلاب العسكري
- السيد التيجاني
- 26 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات, حقوق الإنسان
- الأمم المتحدة, الانقلاب العسكري, الروهنجيا, المجتمع الدولي, حقوق الإنسان, كارثة إنسانية, ميانمار
تدخل ميانمار مرحلة جديدة من أزمتها الممتدة، بعدما حذرت الأمم المتحدة من وصول أوضاع حقوق الإنسان إلى «أسوأ مستوياتها على الإطلاق»، في ظل استمرار الصراع المسلح وتصاعد الانتهاكات ضد المدنيين، بالتزامن مع اتساع اقتصاد غير مشروع يوفر مصادر تمويل جديدة لأطراف النزاع.
ويأتي التحذير الأممي في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني تداعيات الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2021، والذي أطاح بالحكومة المنتخبة وأدخل ميانمار في صراع واسع بين الجيش وقوى معارضة وجماعات عرقية مسلحة. بحسب الأمم المتحدة.
آلاف القتلى وملايين النازحين
التقرير الأممي الذي يغطي الفترة من يونيو/حزيران 2025 إلى مايو/أيار 2026 وثق مقتل ما لا يقل عن 8075 مدنيًا منذ الانقلاب، بينهم 1774 امرأة و1074 طفلًا، مع تأكيد الأمم المتحدة أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى بكثير.
وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد النازحين داخليًا إلى نحو 3.6 مليون شخص، بينما يواجه 12.4 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في حين يعاني نحو 400 ألف من الأمهات والأطفال من سوء التغذية الحاد. بحسب الأمم المتحدة.
الروهينغا في قلب المأساة
تبقى أقلية الروهينغا المسلمة إحدى أكثر الفئات تضررًا من الأزمة، إذ اتهم التقرير الجيش في ميانمار وجيش أراكان بارتكاب انتهاكات واسعة ومنهجية، شملت القتل والتعذيب والتجنيد والعمل القسري والاحتجاز التعسفي والتهجير.
وبعد تسع سنوات على موجة النزوح الجماعي التي وقعت عام 2017، لا يزال مئات الآلاف من الروهينغا خارج مناطقهم، بينما تستمر مظاهر التمييز المنهجي ضدهم، ما يجعل عودتهم الآمنة والتمتع بحقوقهم الأساسية قضية معلقة. بحسب وكالة رويترز.
القصف والحرق كسلاح للسيطرة
تتهم الأمم المتحدة الجيش الميانماري بالاعتماد على الغارات الجوية وعمليات الحرق المتعمد وفرض قيود على وصول المساعدات الإنسانية، في محاولة لبث الخوف وترسيخ السيطرة على المناطق التي تشهد مقاومة مسلحة.
ويرى خبراء في الشأن الميانماري أن استمرار هذه الأساليب يوسع الفجوة بين السكان والمؤسسات العسكرية، ويجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة، خصوصًا مع غياب آليات فعالة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
اقتصاد الحرب يفتح جبهة جديدة
لم تعد الحرب في ميانمار مرتبطة بالسلاح والسيطرة على الأراضي فقط، إذ كشف التقرير الأممي عن توسع سريع في أنشطة التعدين غير القانوني للعناصر الأرضية النادرة في ولايتي كاتشين وشان.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء 302 موقع تعدين جديد في كاتشين منذ عام 2021، بينما ارتفع عدد المواقع في ولاية شان من 12 موقعًا قبل الانقلاب إلى 85 موقعًا بعده. وتثير هذه الأنشطة مخاوف بيئية واقتصادية، فضلًا عن احتمال مساهمتها في تمويل أطراف الصراع. بحسب الأمم المتحدة.
موارد طبيعية تمول الصراع
يرى خبراء في شؤون جنوب شرق آسيا أن الموارد الطبيعية أصبحت عنصرًا مهمًا في اقتصاد الحرب داخل ميانمار، إذ تمنح عمليات التعدين غير القانونية مصادر دخل للقوى المسيطرة على المناطق الغنية بالمعادن.
ويشير الباحثون هاين ثو ومين خانت كياو لين إلى أن التوسع في تعدين العناصر الأرضية النادرة لا يمثل مشكلة اقتصادية فقط، بل يحمل آثارًا صحية وبيئية خطيرة على السكان المحليين، خصوصًا مع ضعف الرقابة وتراجع مؤسسات الدولة. بحسب دراسة منشورة في «لانسيت للصحة الإقليمية – جنوب شرق آسيا».
تحذيرات من موجات نزوح جديدة
تخشى منظمات حقوقية من أن يؤدي استمرار القتال إلى موجات جديدة من النزوح، خاصة في المناطق التي تشهد مواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة.
ويعني استمرار الحرب أن أعدادًا متزايدة من المدنيين قد تصبح بحاجة إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق المتضررة وتوفير الاحتياجات الأساسية.
دعوات دولية للمحاسبة
تدعو الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ودعم الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية.
ويؤكد خبراء أن إنهاء الأزمة لن يكون ممكنًا عبر الحل العسكري وحده، بل يتطلب معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية للصراع، ووقف مصادر التمويل غير المشروع، وخلق مسار يضمن مشاركة مختلف المكونات العرقية والسياسية في مستقبل البلاد.
أزمة تتجاوز حدود ميانمار
تكشف التطورات أن الأزمة الميانمارية تحولت من صراع سياسي وعسكري إلى أزمة متعددة الأبعاد، تجمع بين انتهاكات حقوق الإنسان والنزوح والجوع واستغلال الموارد الطبيعية.
وفي قلب هذه الأزمة يقف الروهينغا الذين ما زالوا يواجهون خطر التهجير والتمييز وانعدام الحماية، بينما يزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الحرب واقتصادها غير المشروع.
وتخلص الصورة التي ترسمها الأمم المتحدة إلى أن ميانمار تواجه اختبارًا حقيقيًا أمام المجتمع الدولي، فاستمرار العنف دون محاسبة قد يعني مزيدًا من الضحايا والنازحين، بينما يتطلب الخروج من الأزمة تحركًا دوليًا أكثر فاعلية يجمع بين حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية والضغط السياسي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. بحسب الأمم المتحدة ووكالة رويترز.