ميانمار بين العصيان المدني وضغوط المجلس العسكري

في ظل حرب أهلية مستمرة وعزلة دولية خانقة

بعد خمس سنوات على انقلاب الأول من فبراير 2021، يحاول المجلس العسكري الحاكم في ميانمار فتح صفحة جديدة  أو هكذا يقدّم الأمر عبر دعوة عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين الذين تركوا وظائفهم احتجاجًا على الانقلاب إلى العودة إلى العمل، مع التعهّد بشطب أسمائهم من “القوائم السوداء”.

غير أن هذه الخطوة، التي تأتي في ظل حرب أهلية مستمرة وعزلة دولية خانقة، تثير تساؤلات عميقة حول دوافعها الحقيقية وفرص نجاحها.

العصيان المدني.. العمود الفقري للمقاومة غير المسلحة

شكّل انسحاب موظفي الدولة من مواقعهم بعد الانقلاب أحد أخطر التحديات التي واجهها المجلس العسكري. فقد انضم أطباء ومعلمون وموظفون إداريون إلى “حركة العصيان المدني”، ما شلّ قطاعات حيوية، خصوصًا الصحة والتعليم.

يقول كينيث أونغ، الباحث في الشأن الميانماري بمعهد دراسات جنوب شرق آسيا (ISEAS – يوسف إسحاق): “العصيان المدني لم يكن مجرد احتجاج رمزي، بل كان استراتيجية منظمة هدفت إلى حرمان الجيش من أدوات الحكم اليومية”.

ويضيف أن فشل المجلس العسكري في إعادة تشغيل الجهاز البيروقراطي بكفاءة أجبره على الاعتماد بشكل أكبر على القمع بدل الإدارة، ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

القوائم السوداء والانتخابات… سياق سياسي ضاغط

إعلان شطب الأسماء من القوائم السوداء لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، خاصة بعد انتهاء الانتخابات التي نظمها المجلس العسكري مؤخرًا. ورغم ترويجها كخطوة نحو “العودة إلى الحكم المدني”، يرى مراقبون أنها لم تغيّر ميزان القوى.

تقول بريدجيت ويلش، أستاذة العلوم السياسية المتخصصة في النظم السلطوية الآسيوية: “الانتخابات لم تكن وسيلة للانتقال الديمقراطي، بل أداة لإعادة إنتاج الشرعية الشكلية للجيش”.

وتشير إلى أن دعوة الموظفين للعودة تهدف إلى إظهار صورة الاستقرار المؤسسي أمام الداخل والخارج، خصوصًا مع استمرار العقوبات الغربية وتراجع الاستثمار.

الحسابات الاقتصادية ونقص الكوادر

يعاني الاقتصاد الميانماري من تدهور حاد منذ الانقلاب، مع انخفاض العملة، وتراجع الخدمات العامة، وهروب الكفاءات. ويؤكد خبراء أن نقص الموظفين المهرة في الوزارات والمستشفيات بات أزمة حقيقية.

بحسب شون تورنيل، الخبير الاقتصادي المتخصص في ميانمار (والذي سبق أن عمل مستشارًا للحكومة المدنية قبل اعتقاله ثم الإفراج عنه): “الدولة لا تستطيع العمل على المدى المتوسط بدون جهاز مدني فعّال. الجيش يمكنه السيطرة بالقوة، لكنه لا يستطيع إدارة اقتصاد أو نظام صحي بالقمع وحده”.

ويرى تورنيل أن دعوة العودة تحمل بعدًا براغماتيًا واضحًا، لكنها تصطدم بانعدام الثقة العميق بين الموظفين والسلطة الحالية.

لماذا قد تفشل المبادرة؟

رغم الإغراءات المعلنة، يشكك كثيرون في استعداد الموظفين السابقين للعودة. فبحسب جمعية مساعدة السجناء السياسيين (AAPP)، لا يزال أكثر من 22 ألف شخص رهن الاعتقال، بينهم موظفون شاركوا في العصيان.

تقول ماي ثينغي أونغ، الناشطة الحقوقية والباحثة في شؤون المجتمع المدني:“من الصعب إقناع الناس بالعودة إلى وظائفهم بينما لا يزال زملاؤهم في السجون، والضمانات القانونية شبه معدومة”.

كما أن عددًا كبيرًا من الموظفين أعادوا بناء حياتهم خارج القطاع العام، أو انخرطوا في هياكل إدارية بديلة أنشأتها قوى المعارضة في المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش.

بين الرسائل السياسية والواقع الميداني

يرى محللون أن خطوة المجلس العسكري تحمل رسائل متعددة: تطمين داخلي، محاولة لامتصاص الضغوط الدولية، وسعي لترميم مؤسسات الدولة المنهكة. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف حجم المأزق الذي يعيشه النظام.

يقول ديفيد سكوت ماثيسون، المحلل المستقل المختص بميانمار: “لو كان المجلس العسكري واثقًا من سيطرته الكاملة، لما احتاج إلى دعوة من تمرّدوا عليه للعودة”.

في المحصلة، تبدو الدعوة أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى مصالحة حقيقية. فغياب أي مسار شامل للمساءلة أو الحوار الوطني، واستمرار الاعتقالات والقتال، يجعل عودة الموظفين خيارًا محفوفًا بالمخاطر الشخصية والمهنية.

وبينما يسعى المجلس العسكري إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، يبدو أن ميانمار قد تجاوزت مرحلة يمكن فيها ترميم الدولة دون معالجة جذرية لأسباب الانقسام. وحتى ذلك الحين، سيبقى العصيان – بأشكاله المختلفة – أحد أبرز تعبيرات الرفض الشعبي للحكم العسكري.