ميانمار بين الانتخابات والحرب الأهلية
في الجولة الأخيرة من الانتخابات
- السيد التيجاني
- 25 يناير، 2026
- تقارير
- الانتخابات الأخيرة, المجلس العسكري, النشاط السياسي, حرية التعبير, ميانمار
تشهد ميانمار جولة حاسمة من الانتخابات العامة، وسط انتقادات دولية واسعة وتساؤلات حول مصداقية العملية الانتخابية. اليوم الأحد أدلى الناخبون بأصواتهم في الجولة الأخيرة من الانتخابات، فيما استمر حزب التضامن والتنمية الاتحادي المدعوم من الجيش في تحقيق انتصارات كبيرة في الجولات السابقة.
وفق نتائج الجولتين السابقتين، حصل الحزب على 193 مقعدًا من أصل 209 في المجلس الأدنى، و52 مقعدًا من أصل 78 في المجلس الأعلى، ما يعكس سيطرة شبه مطلقة على البرلمان. مع ذلك، لم تتجاوز نسبة المشاركة في التصويت حوالي 55%، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بالانتخابات السابقة عامي 2015 و2020، التي شهدت مشاركة نحو 70% من الناخبين.
تأتي هذه الانتخابات في ظل غياب جماعات المعارضة الرئيسية، بما في ذلك الرابطة الوطنية للديمقراطية، التي تم حلها بعد الانقلاب العسكري في فبراير 2021. وأدت الحرب الأهلية المستمرة منذ ذلك الحين إلى نزوح الملايين وفرض حالة من الخوف العام في جميع أنحاء البلاد.
الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى المملكة المتحدة، وصفت الانتخابات بأنها عملية صورية تهدف إلى إضفاء شرعية على حكم الجيش. وقد أعلنت ماليزيا، التي ترأست في 2025 رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، أنها لن تؤيد النتائج، مما يعكس تحفظات المجتمع الدولي بشأن النزاهة الديمقراطية للعملية.
ورغم هذه الانتقادات، رفض رئيس المجلس العسكري مين أونغ هلاينغ أي تدخل خارجي أو التشكيك في الانتخابات. وقال في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي: “سواء اعترف المجتمع الدولي بذلك أم لا، فإننا لا نفهم وجهة نظرهم. إن تصويت الشعب هو الاعتراف الذي نحتاجه”. وأكد أن العملية الانتخابية خالية من الإكراه وتحظى بدعم شعبي.
في العاصمة يانغون ومدينة ماندالاي، أدلى الناخبون بأصواتهم في نحو 60 بلدة، وشوهد الجنرال مين أونغ هلاينغ وهو يلتقي بالناخبين في مراكز الاقتراع مرتديًا ملابس مدنية، في مشهد حاول المجلس العسكري تصويره على أنه طبيعي وهادئ.
ومع ذلك، أفاد سكان محليون لوكالة رويترز بأن الجو كان يسوده الخوف، وأن العديد من المواطنين شعروا بأنهم مضطرون للتصويت لتجنب الاعتقال أو الانتقام المحتمل.
ووفق شهود عيان، شهدت الأحياء التي يسكنها ضباط الجيش وعائلاتهم إقبالاً كثيفًا على مراكز الاقتراع، بينما كانت مناطق أخرى شبه خالية، ما يعكس تفاوت المشاركة بين السكان العسكريين والمدنيين العاديين.
يأتي هذا الاستفتاء السياسي بعد أكثر من خمس سنوات على انقلاب 1 فبراير 2021، الذي أطاح بحكومة مدنية منتخبة بقيادة الحائزة على جائزة نوبل للسلام أونغ سان سو تشي، والتي ما زالت رهن الاحتجاز. منذ الانقلاب، أُجبرت معظم أحزاب المعارضة على الانسحاب، وفرض الجيش قيودًا صارمة على حرية التعبير والنشاط السياسي.
بالإضافة إلى ذلك، استمرت الاشتباكات المسلحة خلال الحملة الانتخابية، خصوصًا في الولايات الحدودية مثل راخين وشان وكايين، حيث وقعت غارات جوية وأعمال عنف متكررة على المدنيين، مما زاد من تعقيد العملية الانتخابية وخلق بيئة من الخوف وعدم الاستقرار.
حزب التضامن والتنمية، الذي تأسس في عام 2010 وحكم سابقًا بعد نهاية حكومة عسكرية سابقة، يرأسه عميد متقاعد ويضم عدداً كبيراً من الضباط السابقين رفيعي المستوى، ما يضمن استمرار نفوذ الجيش في جميع المستويات الحكومية.
ويبدو أن المجلس العسكري لا يعتزم التراجع عن دوره القيادي في السياسة، بل يسعى لتعزيز قبضته على السلطة بشكل دائم.
توقع المحللون أن الانتخابات ستؤدي إلى تعزيز سيطرة الجيش، مع احتمال ضئيل لاستعادة الشرعية الداخلية أو تحسين صورة ميانمار لدى الشركاء الغربيين.
وقالت كاهو يو، كبيرة محللي آسيا في شركة فيريسك مابلكروفت، إن “بدلاً من حل أزمة دخلت عامها الخامس، من المرجح أن يعزز التصويت قبضة الجيش على السلطة”.
كما كشف الإعلام الرسمي أن المجلس العسكري اتهم أكثر من 400 شخص بانتهاك قانون حماية الانتخابات لانتقادهم العملية الانتخابية أو محاولة عرقلتها، مما يعكس حجم الرقابة والقمع السياسي المتزايد.
أما على المستوى الشخصي، فقد ألمح الجنرال مين أونغ هلاينغ إلى أنه يفكر في تعيين شخص ليخلفه كرئيس للقوات المسلحة، مع احتمال انتقاله إلى دور سياسي كامل في الحكومة المقبلة، لكنه أكد أنه من السابق لأوانه الحديث عن دوره المستقبلي بشكل محدد، قائلًا: “بمجرد انعقاد البرلمان، ستكون لديهم إجراءاتهم وأساليبهم الخاصة للاختيار”.
باختصار، تمثل هذه الانتخابات خطوة نحو تعزيز السيطرة العسكرية على ميانمار بعد سنوات من الصراع والفوضى السياسية، في ظل استبعاد جماعات المعارضة، وانخفاض المشاركة الشعبية، وبيئة من الخوف والتهديدات القانونية.
وعلى الرغم من محاولات المجلس العسكري تصوير العملية على أنها شرعية وتحظى بدعم الشعب، فإن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المستمرة تعكس واقعًا مختلفًا تمامًا يعانيه المواطنون العاديون.
يبقى السؤال الرئيسي: هل ستنجح هذه الانتخابات في تعزيز الشرعية الداخلية للجيش أم ستظل ميانمار غارقة في أزمة سياسية مستمرة، تواجه رفض المجتمع الدولي وتدهورًا مستمرًا في حقوق الإنسان؟ التجربة تشير إلى أن الإجابة المرجحة تميل إلى استمرار السيطرة العسكرية مع محدودية أي تقدم ديمقراطي حقيقي.