مفاوضات سويسرا تختبر صمود التهدئة بين واشنطن وطهران
مضيق هرمز ورقة الضغط الأخطر
- السيد التيجاني
- 20 يونيو، 2026
- تقارير
- الولايات المتحدة, طهران, مضيق هرمز, مفاوضات سويسرا, واشنطن
رغم استمرار التوترات الميدانية في لبنان وتبادل الاتهامات بشأن خرق وقف إطلاق النار، تتجه الأنظار إلى سويسرا حيث بدأ وفد إيراني رفيع المستوى تحركاته للمشاركة في جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة، في خطوة ينظر إليها على أنها الاختبار الأهم للاتفاق المؤقت الذي وُقّع أخيراً بين الجانبين برعاية دولية وإقليمية.
الوفد الإيراني الذي يضم رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ومسؤولين أمنيين واقتصاديين، يحمل معه ملفات معقدة تتجاوز البرنامج النووي إلى العقوبات الاقتصادية وأمن الملاحة في الخليج ومستقبل التهدئة في لبنان. وفي المقابل، يستعد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس للانضمام إلى المشاورات، بينما يواصل المبعوثان الأمريكيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف اجتماعات فنية تمهيدية.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الأخطر
تزامنت المفاوضات مع إعلان الحرس الثوري الإيراني إعادة إغلاق مضيق هرمز وتحذير السفن التجارية من الاقتراب من الممر البحري الحيوي، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتعزيز أوراق التفاوض الإيرانية قبل بدء الاجتماعات.
ويرى الخبير في شؤون الطاقة الدكتور فؤاد مرعي أن طهران تدرك أن التأثير الاقتصادي لإغلاق المضيق يفوق بكثير أي ورقة عسكرية أخرى، لأن نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبره. ويضيف أن مجرد التلويح بإغلاق المضيق يرفع مستويات القلق في الأسواق الدولية ويمنح إيران قدرة أكبر على الضغط دون الدخول في مواجهة مباشرة.
في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار حركة الملاحة وعبور عشرات السفن التجارية، في رسالة تهدف إلى طمأنة الأسواق وإظهار أن التهديدات الإيرانية لم تؤثر فعلياً على تدفق الطاقة.
لبنان.. الحلقة الأضعف في الاتفاق
يشكل وقف إطلاق النار في لبنان أحد أهم بنود التفاهم الأمريكي الإيراني، لكن الساعات الأولى للهدنة كشفت هشاشة الوضع الميداني. فقد تحدثت مصادر لبنانية عن سقوط قتلى جراء غارات إسرائيلية، بينما أعلنت إسرائيل أن عملياتها جاءت رداً على هجمات نفذها حزب الله ضد قواتها.
ويعتقد الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور مصطفى كامل أن نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني مرتبط بصورة مباشرة بمدى استقرار الجبهة اللبنانية. ويوضح أن أي تصعيد واسع بين إسرائيل وحزب الله قد ينسف أجواء الثقة المطلوبة لاستمرار الحوار السياسي بين واشنطن وطهران.
أما الخبيرة اللبنانية الدكتورة رنا الحاج فتشير إلى أن إسرائيل تحاول الحفاظ على حرية الحركة العسكرية داخل المناطق التي تسيطر عليها جنوب لبنان، في حين يرفض حزب الله هذا الواقع، ما يجعل احتمالات الاحتكاك قائمة حتى في ظل وجود هدنة معلنة.
لماذا اختيرت سويسرا؟
تمثل سويسرا تقليدياً أرضاً محايدة للمفاوضات الدولية الحساسة، وقد لعبت دور الوسيط غير المباشر بين واشنطن وطهران في أكثر من محطة سابقة.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور سامي عبد الرحمن أن اختيار سويسرا يعكس رغبة الطرفين في إبعاد المفاوضات عن الضغوط الإعلامية والسياسية التي صاحبت الإعلان المفاجئ للاتفاق المؤقت. كما أن البيئة السويسرية توفر قنوات اتصال هادئة تسمح بمناقشة القضايا التقنية المعقدة بعيداً عن التصعيد الإعلامي.
ردود فعل دولية متباينة
رحبت دول أوروبية عديدة باستئناف الحوار بين الجانبين، معتبرة أن المفاوضات تمثل فرصة لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. كما أبدت الصين وروسيا دعماً لاستمرار المسار الدبلوماسي، مع التأكيد على ضرورة احترام جميع الأطراف لتعهداتها.
في المقابل، تنظر دوائر سياسية إسرائيلية إلى الاتفاق بحذر، معتبرة أن أي تخفيف للعقوبات أو تقديم ضمانات لإيران يجب أن يقترن بقيود صارمة على برنامجها النووي وأنشطتها الإقليمية.
أما دول الخليج فتراقب التطورات عن كثب، خاصة في ظل ارتباط أمنها الاقتصادي باستقرار الملاحة في مضيق هرمز واستمرار تدفق صادرات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
التحديات أمام المفاوضين
يواجه الطرفان مجموعة من العقبات المعقدة، أبرزها:
آلية التحقق من الالتزام ببنود الاتفاق.
مستقبل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
ضمان أمن الملاحة في الخليج.
تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان.
معالجة ملف البرنامج النووي الإيراني.
بناء الثقة بعد سنوات طويلة من التوتر والمواجهات غير المباشرة.
ويؤكد الخبير الأمريكي في الأمن القومي ريتشارد هاريس أن المشكلة الأساسية ليست في صياغة الاتفاقات، بل في ضمان تنفيذها على الأرض، خصوصاً مع وجود أطراف إقليمية قد تتأثر مصالحها بأي تفاهم أمريكي إيراني.
هل ينجح الاتفاق؟
تبدو المؤشرات الأولية متناقضة؛ فمن جهة تؤكد التصريحات الأمريكية والإيرانية استمرار الالتزام بالمسار التفاوضي، ومن جهة أخرى تتواصل الاشتباكات المحدودة في لبنان وتتصاعد التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز.
ويرى محللون أن نجاح الجولة الحالية سيعتمد على قدرة الطرفين على الفصل بين الملفات الساخنة والتفاوض السياسي، ومنع أي حادث ميداني من جر المنطقة إلى دائرة تصعيد جديدة.
يتوقع خبراء أن تخرج اجتماعات سويسرا بنتائج أولية خلال الأيام المقبلة، تشمل آليات أكثر وضوحاً لمراقبة وقف إطلاق النار في لبنان وتفاهمات مؤقتة حول أمن الملاحة البحرية. كما يرجح أن يتم تشكيل لجان فنية متخصصة لمتابعة الملفات النووية والاقتصادية والأمنية.
لكن في المقابل، يحذر مراقبون من أن أي تصعيد إسرائيلي–لبناني واسع أو أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد يضع المفاوضات أمام اختبار صعب ويهدد بانهيار الاتفاق قبل أن يتحول إلى تسوية طويلة الأمد.
وبين رهانات الدبلوماسية وضغوط الميدان، تبقى سويسرا اليوم مركز الثقل السياسي في أزمة إقليمية تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، وتمتد آثارها إلى أمن الطاقة العالمي ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.
