مفاوضات إيران تكشف خلاف واشنطن وإسرائيل

تقارير أمريكية: مخاوف من اغتيالات تُفشل المسار الدبلوماسي

مع كل جولة تفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، تتجدد الأسئلة حول مدى انسجام المواقف الأمريكية والإسرائيلية في التعامل مع الملف النووي الإيراني. ورغم الشراكة الاستراتيجية العميقة بين البلدين، كشفت تقارير أمريكية حديثة عن وجود تباين واضح في إدارة هذه المرحلة، بعدما خشيت واشنطن من أن تؤدي تحركات إسرائيلية منفردة إلى نسف المفاوضات وإعادة المنطقة إلى دائرة التصعيد العسكري.

وبحسب ما أوردته صحيفة The New York Times، فإن مسؤولين في الإدارة الأمريكية اطّلعوا خلال جولات التفاوض غير المباشر التي انطلقت في أبريل 2026 على معلومات استخباراتية أشارت إلى أن إسرائيل كانت تدرس تنفيذ عمليات تستهدف مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، من بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهما شخصيتان تتمتعان بثقل سياسي وأمني داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.

وأثارت تلك المعلومات قلقًا بالغًا داخل واشنطن، إذ رأت الإدارة الأمريكية أن أي استهداف لشخصيات بهذا المستوى قد يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي بالكامل، ويمنح التيار الرافض للحوار داخل إيران مبررًا لإنهاء الاتصالات مع الولايات المتحدة، فضلًا عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل.

تحرك أمريكي غير معتاد

وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بمتابعة التطورات، بل لجأت إلى قنوات دبلوماسية غير مباشرة عبر دول وسيطة في المنطقة لإيصال رسائل تحذيرية إلى طهران، تفيد بوجود مخاطر أمنية قد تستهدف بعض كبار المسؤولين الإيرانيين، في محاولة للحيلولة دون وقوع أي حادث قد ينسف جهود التفاوض.

ويُعد هذا التحرك استثنائيًا في طبيعة العلاقات الأمريكية الإيرانية، إذ يعكس حجم الرهان الذي وضعته واشنطن على استمرار الحوار باعتباره الخيار الأقل كلفة مقارنة بالتصعيد العسكري.

الاغتيالات.. ركيزة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية

لا تنفصل هذه المخاوف عن النهج الذي تتبعه إسرائيل منذ سنوات، والقائم على تنفيذ عمليات نوعية ضد شخصيات تعتبرها مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو بالحرس الثوري أو بالفصائل المسلحة الحليفة لطهران.

وشهدت السنوات الأخيرة سلسلة من العمليات البارزة، من بينها اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده عام 2020، واستهداف قيادات في الحرس الثوري الإيراني داخل سوريا، إضافة إلى عمليات أخرى نُسبت إلى إسرائيل في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران وحلفائها.

ويرى خبراء في الأمن الإقليمي أن تل أبيب تنظر إلى هذه العمليات باعتبارها وسيلة لمنع خصومها من تطوير قدراتهم العسكرية، بينما ترى أطراف أخرى أن استمرار سياسة الاغتيالات يزيد من احتمالات التصعيد ويُعقّد فرص الوصول إلى حلول سياسية.

خلاف في الوسائل لا في الأهداف

ورغم ما يبدو من اختلاف، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان على هدف رئيسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أن الخلاف يكمن في الوسائل.

فواشنطن ترى أن الدبلوماسية والعقوبات والضغوط السياسية يمكن أن تحقق هذا الهدف في مراحل معينة، بينما تميل إسرائيل إلى الاعتقاد بأن الضربات العسكرية والعمليات الاستخباراتية أكثر فاعلية في كبح البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تخشى أن يؤدي أي تحرك عسكري إسرائيلي خلال فترة التفاوض إلى دفع إيران للانسحاب من المحادثات، وربما الرد باستهداف مصالح أمريكية أو حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو سيناريو كانت الإدارة تسعى لتجنبه.

رسائل تتجاوز طاولة التفاوض

وتكشف هذه التطورات أن التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، رغم قوته، ليس مطلقًا، وأن المصالح المشتركة لا تمنع ظهور تباينات عندما يتعلق الأمر بتوقيت استخدام القوة وتأثيرها على المسارات السياسية.

كما تعكس الوقائع أن الولايات المتحدة كانت مستعدة لاتخاذ إجراءات دبلوماسية غير تقليدية للحفاظ على فرص التفاوض، حتى وإن تطلب الأمر إرسال تحذيرات غير مباشرة إلى خصمها الإيراني، في خطوة تعكس إدراكها بأن أي عملية اغتيال في توقيت حساس قد تغيّر مسار الأزمة بالكامل.

وفي المحصلة، تؤكد هذه التقارير أن الملف الإيراني لا يُدار فقط عبر طاولات التفاوض أو ساحات المواجهة، بل تحكمه أيضًا حسابات دقيقة بين الحلفاء، حيث تحاول واشنطن الموازنة بين التزامها بأمن إسرائيل، والحفاظ على نافذة دبلوماسية ترى أنها قد تكون السبيل الأقل كلفة لمنع اندلاع صراع إقليمي واسع.

اترك تعليقا