“مصر” أمام اختبار جديد..بين تحسن السيولة وضغط الدين
تحسن الاحتياطيات والنقد الأجنبي لا يبددان ضغوط التمويل
- معاذ علي
- 28 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اسعار الفائدة, اقتصاد, اقتصاد مصر, التضخم, التمويل, التمويل الأجنبي, الديون
دخل الاقتصاد المصري المرحلة الأخيرة من التوترات الإقليمية من موقع أقوى مقارنة بفترات سابقة، بعدما ساعدت مرونة سعر الصرف، وتشديد السياسات النقدية والمالية، وتحسن الاحتياطيات ومراكز البنوك من العملة الأجنبية على امتصاص الصدمة.
تحسنٌ بلا مساحة كافية..
لكن هذا التحسن لا يلغي التحدي الأكبر أمام المالية العامة؛ إذ لا يزال الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية مرتفعين، فيما يعتمد جانب مهم من التمويل على آجال قصيرة، وتظل حيازة البنوك للديون الحكومية مرتفعة.
ووفق تحليل نشره صندوق النقد الدولي في 21 سبتمبر، يتوقع أن تبقى احتياجات التمويل الإجمالية عند نحو 40% من الناتج المحلي في الأجل القريب، قبل أن تنخفض تدريجياً إلى أقل من 30% بحلول 2030.
وفي مراجعة يوليو، قدر الصندوق احتياجات التمويل الإجمالية بنحو 42% من الناتج في السنة المالية 2025/2026، مع توقع تراجعها تدريجياً نتيجة إجراءات خفضها.
ويرى الصندوق أن ضخامة الاحتياجات تجعل مصر أكثر تعرضاً لتغيرات أوضاع التمويل العالمية والصدمات الخارجية، كما قد تؤدي كثافة اقتراض الحكومة إلى مزاحمة ائتمان القطاع الخاص والاستثمار.
ويعزز ذلك ما يسميه الصندوق «الرابطة بين الدولة والبنوك»، إذ يؤدي ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة إلى زيادة ارتباط الاستقرار المالي بوضع المالية العامة.
الدين والإصلاح في اختبار..
لا يقتصر الضغط على حجم التمويل، بل يمتد إلى كلفة خدمة الدين ومساحة الحركة المتاحة أمام الإنفاق والاستثمار.
وفي يوليو، أكد الصندوق أن خفض الدين واحتياجات التمويل يتطلب إدارة أكثر فاعلية للدين، والانتقال تدريجياً إلى تمويل أطول أجلاً وقائم على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، بما يقلل مخاطر إعادة التمويل.
وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة تسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، لخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.
وبلغت حصيلة التخارجات التي أشار إليها الصندوق نحو 520 مليون دولار بعد إتمام صفقة جبل الزيت ومبيعات حصص حكومية في شركات مدرجة.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه توقعات النمو إيجابية؛ إذ تشير بيانات «كايكسا بنك ريسيرتش» إلى نمو متوقع قدره 4.2% في 2026 و4.8% في 2027.
لكن المؤسسة تشير أيضاً إلى أن التعافي لا يولد وظائف بالسرعة الكافية لاستيعاب الزيادة في قوة العمل، وأن تقليص حضور الدولة في الاقتصاد سيظل عاملاً مهماً في تحسين آفاق النمو على المدى المتوسط.
كما أن هذه التوقعات ليست خالية من المخاطر، في ظل تداعيات التوترات الإقليمية على الاستثمار والتكاليف والثقة.
التضخم والطاقة.. الحلقة الخارجية..
رغم تراجع التضخم مقارنة بمستويات الأزمة السابقة، لا تزال الضغوط السعرية مرتفعة، وسجل التضخم الحضري السنوي 14.9% في يوليو 2026، قبل أن يتراجع إلى 14.5% في أغسطس، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9% في أغسطس، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وفي مراجعة يوليو، توقع صندوق النقد ارتفاع التضخم إلى 16.7% في النصف الثاني من 2026، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع سعر الصرف وتأثيرات سنة الأساس.
وتضيف الطاقة بعداً خارجياً للضغوط؛ ف”مصر” مستورد صافٍ للطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط والغاز مؤثراً في التضخم والحساب الجاري وتوافر العملة الأجنبية.
كما تظل إيرادات “قناة السويس” أقل بكثير من مستويات ما قبل اضطرابات البحر الأحمر، فيما قد تؤثر التوترات الإقليمية أيضاً في السياحة وتدفقات رؤوس الأموال.
لذلك تبدو المشكلة المصرية الحالية أقل ارتباطاً بنقص فوري في العملة الأجنبية وأكثر ارتباطاً بقدرة الاقتصاد على تحويل تحسن الاحتياطيات وتدفقات النقد الأجنبي إلى نمو مستدام يقوده القطاع الخاص.
ويضع صندوق النقد ثلاثة مسارات رئيسية لذلك: إطالة آجال الدين، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، وتسريع إصلاحات ملكية الدولة والتخارج وتحسين حوكمة الشركات الحكومية.
ويشير تقييم الصندوق إلى أن الحفاظ على الاستقرار النقدي وحده لا يكفي؛ فاستدامة النمو تتطلب أيضاً انضباطاً مالياً مستمراً، وتحسين كفاءة الإنفاق، وزيادة الإيرادات بصورة أكثر استدامة، مع تقليل الاعتماد على إجراءات استثنائية ومصادر تمويل قصيرة الأجل.
ويعني ذلك أن تحسن المؤشرات الخارجية يمثل فرصة لإعادة بناء الهوامش المالية، لا بديلاً عن الإصلاحات الهيكلية، وكبح مخاطر الدين العام مستقبلاً.
وتبقى قدرة مصر على تنفيذ هذه المسارات عاملاً حاسماً في تخفيف مخاطر إعادة التمويل، ورفع الاستثمار الخاص، وتحويل النمو إلى مكاسب أوسع في الإنتاج وفرص العمل ومستويات المعيشة.