مشكلة تعود النعم وإلفها

د محمد علي يوسف يكتب

الشخص الذي يزور مدينة ساحلية لأول مرة قد يقف مبهورًا أمام البحر لساعة كاملة أما الذي يعيش هناك منذ نعومة أظفاره فقد يمر بجوار البحر عند الغروب البديع عابسًا وهو يسب الزحام والرطوبة.
وذلك الذي ينجو من مرض مميت يشعر لأسابيع أن مجرد القدرة على التنفس معجزة ثم بعد شهور، يعود ليتذمر من تفاصيل تافهة كأن شيئًا لم يحدث.
والزوجان الذان انتظرا طويلًا حتى يُرزقا بطفل، قد يقضيان الليل يتأملان وجهه الصغير وهو نائم، عاجزين عن تصديق أن الله استجاب دعاءهما. ثم تمر الأعوام، فيضيق الصدر بضجيجه، وينسى كل منهما أن هذا الصوت الذي يملأ البيت حياةً كان يومًا أمنية ظنا أنها قد لا تتحقق أبدًا.
وذلك المسافر الذي اغترب عن أهله سنوات، قد يبكي من الفرح وهو يعانق أمه عند عودته ثم لا تمضي أشهر قليلة حتى يصبح مرورها اليومي أمامه مشهدًا عاديًا لا يلتفت إليه، وكأن القلب نسي كم كان يتمنى هذه اللحظة ذات يوم.

هذا شيء عجيب مؤسف يحدث للإنسان كلما طال به الزمن داخل النعمة.
حين يبدأ بالتعامل معها كأنها حق طبيعي مكتسب، لا هدية استثنائية.
هذه هي طبيعة النفس البشرية للأسف.
تتوقف تدريجيًا عن رؤية النعم حين تتكرر، وتفقد الأشياء بريقها بكثرة المساس.
لهذا تجد قد الإنسان يلهث سنوات طويلة ليصل إلى شيء معين، ثم لا يكاد يمكث معه قليلًا حتى يبدأ في النظر إلى ما بعده.
يقاتل من أجل وظيفة، ثم يشكو عنت الوظيفة وقلة دخلها.
يبحث عن الزواج، ثم يشكو أعباء الزواج ومسؤولياته.
يشتاق إلى الأبناء، ثم يتذمر من ضجيجهم ومشاكلهم.
كأن النفس البشرية لا تملك القدرة على الإقامة الطويلة داخل الامتنان أو كأنها مهيأة دائمًا لنقل بؤرة انتباهها من الموجود إلى المفقود…
من النعمة الحاضرة إلى الأمنية التالية.
لهذا كانت الغفلة عن النعم من أقدم أمراض الإنسان ليس لأنه ينكرها وحسب ولكن لأنه يعتادها
ولهذا كان القرآن يوقظ البصر قبل أن يطالب بالشكر..
يلفت النظر إلى الماء الذي تشربه قبل أن يتحدث عن الحمد.
إلى قيمة السمع والبصر قبل أن يذكر الامتنان لوجودهما.
إلى الليل والنهار، والسحاب والمطر، والطعام والأنعام، والنجوم والبحار.
َ المشكلة الأساسية ليست دوما قلة النعم ولكن قلة تأملها وقلة الانتباه إلى أنها ما زالت موجودة أصلًا.
لهذا فإن بعض لحظات الامتنان في حياة الإنسان قد تأتي بعد الفقد لا أثناء الامتلاك.
عندما يمرض يعرف معنى العافية.
وعندما يغترب يعرف معنى البيت.
وعندما يفتقد شخصًا يحبه يدرك فجأة كم كانت الأيام العادية التي جمعته به ثروة هائلة لم يكن يراها.
لكن المصيبة لا تمنح الأشياء قيمتها وإنما تكشف فقط القيمة التي كانت موجودة طوال الوقت.

أظن أن جزءًا كبيرًا من أزمة علاقتنا بعشر ذي الحجة أو رمضان أو مواسم الخير عموما؛ يأتي من هذا الباب.
في عالم الاستثمار، هناك قاعدة شهيرة تقول إن أخطر الناس في السوق ليس الجاهل تمامًا.
الأخطر فهو الذي يظن أنه فهم كل شيء..
الذي يعتقد أن الصورة اكتملت داخل رأسه، فيتوقف عن البحث أصلًا.
وهذا النوع تحديدًا هو الأكثر قابلية لإضاعة الفرص الكبرى، لأنه لا يبحث أصلًا، ويظن أن الصورة اكتملت داخل رأسه.

أشعر أن علاقتنا بذي الحجة تشبه هذه الحالة كثيرًا.
كثيرون يظنون أنهم “يعرفون” عشر ذي الحجة.
يعرفون أنها أيام فاضلة، وأن فيها يوم عرفة، وأن من المستحب فيها الصيام والذكر.
ثم ينتهي الأمر هنا.
لكن لو سألنا أنفسنا بصدق، هل نحن فعلًا نتعامل معها باعتبارها “أفضل أيام الدنيا”؛ سنكتشف فورًا أن هناك فجوة هائلة بين ما نعرفه نظريًا، وما نشعر به فعليًا.
والإنسان حين يقتنع حقًا بقيمة شيء، تظهر القناعة تلقائيًا في طريقة تعامله معه.
الذي يعرف قيمة الذهب لا يتركه ملقى على قارعة الطريق، والذي يعرف قيمة عمره لا يبدده بسهولة.
والذي يدرك أنه في أيام يحب الله فيها العمل الصالح هذا الحب العظيم، يستحيل أن تمر عليه ببرود.
المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات.
المشكلة في “الاعتياد” حتى تفقد الكلمات وزنها الحقيقي في قلوبنا.
تسمع الحديث القائل إن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من سائر الأيام.
ثم تكمل التمرير على شاشة هاتفك بصورة طبيعية جدًا لتبحث عن تريند أكثر إثارة وكأنك لم تقرأ قبل لحظات واحدة من أعظم العبارات التي يمكن أن يطرق بها الوحي قلبك..
نتعامل مع هذه المواسم كخلفية لطيفة تمر بجوار الحياة الأساسية.
بينما الحقيقة قد تكون العكس تمامًا.

تأمل فقط هذا المعنى قليلًا.
الله، رب السماوات والأرض، يخبرك أن هناك أيامًا محددة يصبح فيها أي خير تفعله أحب إليه من سائر أيام العام.
أي عمل.
ذكر، صلاة، توبة، إحسان، بر، صدقة، قرآن، دمعة ندم، أو كلمة طيبة.
كل هذا الآن له وزن مختلف وثمن باهظ.
ومع ذلك، قد تمر الأيام على بعضنا بنفس الروتين المعتاد.
تصفح طويل ومجادلات مستهلكة وسهر بلا معنى، وتأجيل مستمر لفكرة “سأقترب من الله لاحقًا”.
المشكلة أن “لاحقًا” هذه خادعة جدًا.
نحن نتعامل مع الزمن وكأنه شيء مضمون.
دائمًا هناك عشر قادمة في العام القادم، ودائمًا هناك فرصة أخرى لتتحسن النفس وتصفو الظروف ويهدأ الزحام.
لكن القلب مع كثرة التأجيل يفقد حس الطوارئ الروحية فلا يشعر أن الموسم قد يكون فرصة نجاة فعلية، أو الباب الأخير المفتوح.
والمرء لا يضمن وجوده بعد عام فضلا عن حضور قلبه..
ولا يضمن عمره، ولا يضمن أن يعود عليه الموسم القادم بنفس القدرة والرغبة والفراغ.
لهذا كان الصالحون يخافون من فوات المواسم أكثر مما يخاف الناس من فوات الدنيا ذلك لأن شعورهم بقيمة اللحظة كان حيًا متوقدا.
وكانوا يفهمون شيئًا مهمًا.
أن الأيام العظيمة ليست مجرد وقت يمر، وإنما هي أبواب تُفتح.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لك، أن تُفتح الأبواب وأنت منشغل بالنظر في الاتجاه الآخر.