جورباتشوف أمريكا
محمد أمين أبو سكينة يكتب
- dr-naga
- 21 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- الاتحاد السوفيتي, الشرعية, الفيدرالية الأمريكية, ترامب, جورباتشوف أمريكا, مؤسسات الدولة, محمد أمين أبو سكينة
في صفحات التاريخ المعاصر، تظهر لحظات فارقة يقرر فيها قادة الدول الكبرى إعادة هندسة كياناتهم العملاقة من الداخل؛ عبر تفكيك القواعد التي قامت عليها الدولة، ظناً منهم أنهم يضعون الأسس لعملية “إعادة بناء وتطوير شاملة” تعيد للكيان قوته وهيبته. لكن الواقع التاريخي يثبت أن هذه المحاولات غالباً ما تنزلق بالدولة إلى منزلق خطير تخرج فيه العملية بالكامل عن السيطرة، وتتحول من محاولة لـ “إعادة البناء والتطوير” إلى مسارٍ من انهيار لا يمكن احتواؤه. هذا المسار الذي انتهى بميخائيل غورباتشوف إلى طي صفحة الاتحاد السوفيتي وتفكيكه، هو ذاته الذي يسلكه اليوم دونالد ترامب في تعامله مع الفيدرالية الأمريكية؛ حيث يسعى الرئيس ليجعل أمريكا عظيمة مجدداً “كما يزعم”، متجاهلاً أن تفكيك ركائز الاستقرار في سعيه لـ “إعادة البناء والهيبة” قد لا يترك من البنيان شيئاً سوى أطلال. ولكي نضع هذه المقارنة في سياقها الاستراتيجي، نستعرض في المحاور التالية أبرز تقاطعات هذا المسار التفكيكي بين التجربتين، وكيف يؤدي “وهم الإصلاح” غير الحكيم إلى تقويض الأركان التي تستند إليها القوى العظمى.
أولاً: الصدام مع الموروث المؤسسي:
لا يمثل الصدام مع مؤسسات الدولة لدى القادة من أمثال غورباتشوف وترامب نزوةً عابرة، بل هو عملية “تطهير” للقواعد البيروقراطية التي يرونها عائقاً أمام رؤيتهم. ميخائيل غورباتشوف استهدف “النخبة الحزبية” عبر مشروع إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي أو ما يعرف بـ “البروسترويكا”، لإطلاق طاقات الاتحاد، بينما فتح عبر الانفتاح السياسي والإعلامي أو ما يعرف بـ “الجلاسنوست” المجال أمام موجات النقد والانكشاف السياسي والإعلامي التي أضعفت قبضة المركز السوفيتي تدريجياً. وفي المقابل، يستهدف دونالد ترامب أروقة الدولة الفيدرالية ومؤسساتها العميقة لإعادة ضبط العلاقة بين السلطة التنفيذية وهذه المؤسسات، مما خلق حالة من الصدام المستمر بدل التوازن المستقر. إن النتيجة في الحالتين هي إرباك بنيوي يفقد الدولة قدرتها على إدارة تعقيداتها الداخلية والتعامل مع التهديدات الوجودية.
ثانياً: إطلاق قوى التفكك الكامنة داخل الكيان:
لم يكن الخطر في تجربة غورباتشوف في مجرد الإصلاح، بل في كونه أطلق قوى كانت مكبوحة داخل البنية السوفيتية لعقود. فمع اتساع هامش الانفتاح السياسي والإعلامي أو ما يعرف بـ “الجلاسنوست”، برزت القوميات والجمهوريات السوفيتية والنخب المحلية بوصفها كيانات أكثر استقلالاً في تصورها لمصالحها، فتزايدت النزعات الانفصالية وتآكل مركز القرار. ومع ترسيخ ما عُرف بـ”مبدأ سيناترا”، ويقصد به منح دول الكتلة الشرقية حرية التصرف بعيداً عن السيطرة المباشرة للمركز، بدأت المنظومة تفقد تماسكها الذاتي وانزلقت إلى الانهيار والتفكك الشامل. وفي المقابل، يشهد المشهد الأمريكي بقيادة ترامب توظيفاً مباشراً للانقسامات السياسية والمجتمعية؛ حيث تحول الخلاف إلى صراع على الهوية يعمق الفجوات بين الخلفيات السياسية، والعرقية، والقومية، والدينية المختلفة داخل المجتمع. ويتعاظم هذا الخطر مع الدعم الضمني لبروز الميليشيات المسلحة، كأحد أبرز مظاهر تفكك احتكار الدولة للقوة، وتآكل الهوية الفيدرالية الجامعة لصالح ولاءات فئوية ضيقة تضعف كيان الدولة وتماسكها.
ثالثاً: تقويض أسس التماسك الاقتصادي تحت شعار استعادة العظمة:
حين أطلق غورباتشو “البروسترويكا”، أو ما يعرف بإعادة البناء والهيكلة الاقتصادية، كان يسعى لإنقاذ الدولة والاقتصاد السوفيتي من الجمود والتخلف، لكنه فتح الباب أمام اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد المركزي. ومع تفاقم أزمة الديون والإنفاق العسكري وسباق التسلح، أصبحت الدولة مثقلة بأعباء تفوق قدرتها على التوازن. وفي الحالة الأمريكية، تتصاعد مستويات الدين العام وكلفة خدمته، بالتوازي مع استمرار الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة، بما يخلق ضغطاً دائماً على الموازنة الفيدرالية ويعيد إنتاج معضلة الإمبراطورية المثقلة بأعباء القوة والهيمنة. وفي هذا السياق، تتجه سياسات ترامب إلى مزيد من الحمائية الاقتصادية وإعادة ترتيب العلاقات التجارية مع باقي العالم على أسس قسرية، في محاولة لاحتواء التداعيات بدلاً من معالجة الجذور.
رابعاً: تحويل الاستقطاب السياسي إلى أزمة وجودية:
في التجربة السوفيتية، لم يكن الانهيار نتيجة اقتصادية فحسب، بل محصلة لفقدان الاعتقاد بشرعية وجود الدولة نفسها. ومع تصاعد الصراع الداخلي، تحولت التباينات السياسية إلى انقسام وجودي بين مكونات المجتمع. وفي الحالة الأمريكية، يتعمق الانقسام بين التيارات السياسية الكبرى، بحيث لم يعد الخلاف حول السياسات فقط، بل حول تعريف الدولة نفسها وحدود سلطتها ومؤسساتها. ومع هذا التحول، يتراجع مفهوم الدولة الجامعة لصالح هويات سياسية متصارعة.
خامساً: تفكيك منظومة التحالفات الدولية وإعادة تشكيل مراكز النفوذ العالمي:
أسهم ميخائيل غورباتشوف في إضعاف نمط السيطرة السوفيتية على فضائه الجيوسياسي الخارجي؛ حيث تجلى هذا التراجع في تبني موسكو لـ “مبدأ سيناترا”، الذي لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان إقراراً استراتيجياً بانتهاء حقبة الهيمنة المطلقة، حيث أدرك المركز في موسكو عجزه عن فرض قبضته التقليدية، فأطلق يد دول الكتلة الشرقية لتحديد مساراتها الوطنية في ظل تآكل القدرة على التدخل العسكري للحفاظ على تماسك المنظومة. وكان من التداعيات المباشرة لهذا الانكفاء أن فقدت العواصم التابعة ثقتها في مظلة الحماية السوفيتية، مما أدى كإجراء تتابعي حتمي إلى تفكك وظيفة “حلف وارسو” وانهياره باعتباره الإطار العسكري الموحد، وهو ما سرّع بشكل تراكمي من السقوط النهائي للاتحاد السوفيتي كمنظومة حكم وسيطرة كانت تربط تلك الدول بمركز القرار في موسكو. وفي المقابل، يساهم النهج الذي ارتبط بدونالد ترامب في إعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها على أساس أكثر صدامية، يقوم على إعادة تعريف الالتزامات الأمنية وربطها المباشر بحجم الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وهو ما عمّق التوتر داخل البنية الأطلسية. ومع تراكم الخلافات والتباينات الاستراتيجية العميقة داخل الحلف حول الساحات المشتعلة، سواء في إدارة مسار الحرب في أوكرانيا وسقف الدعم العسكري لها، أو في تحديد حدود وطبيعة المواجهة مع إيران وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، بدأت تظهر تصدعات واضحة بين عواصم الحلف والولايات المتحدة حول حدود التصعيد وأزمة تقاسم الأعباء الدفاعية والاعتماد المتزايد على المظلة الأمريكية. هذا التصدع الاستراتيجي والصراع بين الأعضاء يدخل “حلف شمال الأطلسي” في مسار متصاعد من الضعف البنيوي والتفكك التدريجي، بما يجعله أقرب إلى بنية متآكلة تتجه نحو فقدان تماسكها الداخلي في مدى غير بعيد.
سادساً: لعنة التشكيك واغتيال الشرعية:
لا يتوقف التآكل عند حدود السياسات، بل يمد جذوره ليصيب قلب “الشرعية السياسية” للقائد؛ إذ وجد غورباتشوف وترامب نفسيهما وسط دوامة من الاتهامات بالارتهان والتبعية للخارج وخدمة أجندات تناقض المصالح العليا للوطن. ففي الحالة السوفيتية، جرى تصوير الانفتاح كإذعان وخضوع كامل للغرب، وفي الحالة الأمريكية، تتصاعد الاتهامات حول الانصياع لقوى وأطراف خارجية، مما يحول تهمة “العمالة” من مجرد هتاف سياسي إلى أداة لتمزيق النسيج الوطني. إن هذا التشكيك لا يهدم صورة القائد فحسب، بل يغذي انقساماً وجودياً يجعل المجتمع عاجزاً عن حماية نفسه، حين يصبح التخوين هو اللغة السائدة، ويغدو الوطن ضحية للصراعات التي تحول القيادة من رمز للسيادة إلى متهمٍ في ساحات التشكيك.
سابعاً: وهم السيطرة على مسار الفوضى:
المشكلة الجوهرية في مشاريع إعادة البناء الكبرى أن القائد يعتقد أن بإمكانه إعادة تشكيل الدولة مع الحفاظ على توازنها في الوقت نفسه. ميخائيل غورباتشوف ظن أنه قادر على إصلاح الاتحاد دون أن يفقد السيطرة عليه، لكن المسار خرج من يده تدريجياً. وفي المقابل، يتعامل دونالد ترامب مع أدوات الدولة وتحالفاتها باعتبارها قابلة لإعادة التشكيل السريع دون كلفة عميقة، بينما تؤكد التجربة أن تفكيك التوازنات الداخلية يؤدي إلى نتائج تتجاوز قدرة القيادة على ضبطها.
وفي نهاية هذا الطرح، لا يسعني إلا أن أؤكد أن التاريخ لا يكرر نفسه كصدفة، بل كقانون لا يرحم من يظن أنه قادر على إعادة تشكيل النظام بينما هو في الحقيقة يفكك أركانه. ومن هنا، يبقى السؤال المعلق في ذمة التاريخ .. هل يمتلك المجتمع الأمريكي بوعيه الجمعي، وما يمتلكه من أسس ديمقراطية وحريات راسخة، ما يكفي من القوة والمرونة ليقي بلاده ما آل إليه مصير الاتحاد السوفيتي ؟! أم أن ترامب، بيده لا بيد غيره، يدفع بالفيدرالية الأمريكية إلى إنزلاق مدو نحو هاوية العدم ؟!