مجزرة كفر قاسم بعد سبعين عاماً.. أين المحاسبة؟
د. مصطفى فتوري/ ميدل إيست مونيتور
- dr-naga
- 6 نوفمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- إسرائيل, الانتهاكات الإسرائيلية, مجزرة كفر قاسم
غالباً ما تعلن إسرائيل أنها ستجري تحقيقات في الانتهاكات التي يرتكبها جيشها، الذي تصفه بأنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.
لكن هذه التحقيقات نادراً ما تنتهي إلى مساءلة حقيقية، خصوصاً في القضايا الكبرى التي تتعلق بقتل المدنيين.
قد تستمر التحقيقات أشهراً أو سنوات، وعندما تظهر نتائجها، فإنها غالباً ما تنتهي إلى أحد أمرين: إما عدم إثبات وقوع مخالفة جنائية، أو تحميل المسؤولية لجندي واحد من ذوي الرتب المنخفضة، مع إعفاء القادة وسلسلة القيادة الأوسع من المسؤولية.
ثم يصدر إجراء تأديبي محدود، وتغلق القضية عملياً.
هذا النمط ليس جديداً، بل يمتد إلى تاريخ تأسيس إسرائيل وطريقة تعاملها مع الانتهاكات.
وقد ساعد على ترسيخ صورة حرصت إسرائيل على تقديمها منذ قيامها: دولة صغيرة ومتطورة وديمقراطية، يسود فيها القانون والعدالة، ومحاطة بأعداء يريدون تدميرها.
كفر قاسم.. جريمة لم تنتهِ آثارها
في الأسبوع الماضي مرت سبعون سنة على واحدة من أشهر المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق مواطنين فلسطينيين، في قرية كفر قاسم الفلسطينية الواقعة وسط الأراضي التي أصبحت جزءاً من إسرائيل، شرق تل أبيب.
وعلى خلاف مئات القرى الفلسطينية التي أُفرغت من سكانها ومُحيت من الخريطة بعد قيام إسرائيل عام 1948، بقيت كفر قاسم محتفظة باسمها، وأصبحت بلدة عربية فلسطينية، تضم نصباً تذكارياً للضحايا أقيم عام 1976 ومتحفاً يحفظ ذاكرة المجزرة.
في مساء 29 أكتوبر 1956، وبينما كانت إسرائيل تشن هجومها على مصر بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا، أوقف أفراد من شرطة حرس الحدود الإسرائيلية مجموعات من العمال الفلسطينيين العائدين إلى قريتهم بعد يوم عمل في الحقول والمحاجر وغيرها.
لم يكن هؤلاء قد ارتكبوا أي مخالفة، ولم يكونوا على علم بفرض حظر تجول عسكري مفاجئ.
ففي وقت سابق من ذلك اليوم، جرى تقديم موعد حظر التجول المعتاد من العاشرة مساء إلى الخامسة مساء، ولم يُمنح قادة القرية سوى نصف ساعة لإبلاغ السكان بالقرار.
ولم يحصل العمال العائدون على أي تحذير أو فرصة لتفسير جهلهم بالقرار.
وبدلاً من ذلك، أطلق أفراد الشرطة النار عليهم من مسافة قريبة.
وخلال أقل من ساعة، قُتل 47 شخصاً في كفر قاسم وحدها، بينهم نساء وأطفال.
وتُخلد الذاكرة الفلسطينية المجزرة عادة باعتبارها جريمة قتل 49 فلسطينياً، بينما تشير مراجعة أرشيفية أوسع أجراها معهد «عكيفوت» الإسرائيلي للأبحاث إلى أن عدد الضحايا بلغ 51 شخصاً، بينهم ضحيتان في قريتين مجاورتين، وطفل لم يولد، ورجل مسن توفي بعد إطلاق النار بساعات.
لم تكن المجزرة نتيجة اشتباك عفوي، بل عملية قتل جماعي متعمدة بحق مدنيين أبرياء.
المحاسبة التي توقفت عند صغار المنفذين
كان العقيد إسحاق شادمي، قائد اللواء السابع عشر في الجيش الإسرائيلي، قد أصدر تعليمات بتطبيق حظر التجول على كل من يوجد خارج منزله بعد الخامسة مساء.
ونُفذت التعليمات بحرفيتها، وكانت النتيجة مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين.
ولاحتواء الأضرار السياسية وحماية صورة إسرائيل، أُنشئت لجنة تحقيق، ثم جرت محاكمة 11 من أفراد شرطة حرس الحدود.
وفي أكتوبر 1958 أُدين ثمانية منهم، بينهم قائد الكتيبة شموئيل مالينكي والملازم غافريئيل داهان، وحُكم عليهما بالسجن 17 و15 عاماً على التوالي.
لكن الأحكام لم تتحول إلى عقوبات مستمرة؛ فقد أدت الاستئنافات وتخفيض الأحكام والعفو الرئاسي والإفراج المبكر إلى تفريغ العقوبات الأصلية من مضمونها.
وبحلول مارس 1960 كان الثمانية جميعاً قد أصبحوا أحراراً.
أما شادمي، صاحب المسؤولية القيادية، فقد حوكم بصورة منفصلة، وبُرئ من تهمة القتل، وأدين فقط بإساءة استخدام السلطة بسبب فرض حظر التجول دون تصريح.
وكانت عقوبته مجرد توبيخ وغرامة لا تتجاوز عشرة أغورات إسرائيلية، أي ما يعادل آنذاك نحو نصف سنت أمريكي!
وهكذا نجا الرجل الموجود في قمة سلسلة القيادة من الإدانة بالقتل، بينما لم يقضِ المنفذون سوى جزء محدود من العقوبات الأصلية.
سبعون عاماً.. والنمط نفسه مستمر
إذا سُئلت إسرائيل اليوم عن كفر قاسم، فقد يكون جوابها أن الجريمة وقعت بالفعل، وأن المسؤولين عنها حوكموا وعوقبوا وفق القانون.
لكن هذا الجواب يتجاهل ما حدث بعد الأحكام، حيث جرى تقويض العملية القضائية ونتائجها بصورة جعلتها موضع سخرية وفق المعايير القضائية.
ويبدو أن نمط الإفلات من العقاب لا يزال مستمراً حتى اليوم.
فقد كشف تحقيق أجرته خدمة التحقق التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في 15 أكتوبر 2026 عن حجم محدودية نتائج التحقيقات العسكرية الإسرائيلية خلال السبعين عاماً الماضية.
درس التحقيق أكثر من 60 ألف تقرير منشور، وحدد 300 واقعة منفصلة أعلنت فيها القوات الإسرائيلية أنها تحقق في ادعاءات قتل أو إصابة أشخاص خلال حربها على غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان وإسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023.
ومن بين هذه الوقائع، أعلنت القوات الإسرائيلية نتائج 28 تحقيقاً فقط، بينما بقيت حالة 18 تحقيقاً أخرى غير واضحة، ولم تتوافر نتائج معلنة بشأن 254 واقعة.
وفي أكثر من 200 واقعة، قُتل شخص واحد على الأقل بحسب التقارير.
وبعض هذه التحقيقات يعود إلى أواخر عام 2023.
ورغم الطلبات المتكررة، لم تقدم القوات الإسرائيلية تحديثات شفافة عن وضع هذه التحقيقات، سواء لهيئة الإذاعة البريطانية أو لغيرها.
تبدو الاستراتيجية هنا بسيطة: إعلان فتح تحقيق، ثم تركه يختفي داخل المتاهة البيروقراطية، وانتظار تراجع اهتمام الرأي العام.
ومع مرور الوقت، ينسى الناس القضايا القديمة أو ينشغلون بالانتهاكات الجديدة والوعود المتكررة بالتحقيق.
إن إعلان التحقيق لا يعني إتمامه، وإتمامه لا يعني بالضرورة محاسبة المسؤولين.
السؤال الذي لم تجب عنه إسرائيل
بعد سبعين عاماً على مجزرة كفر قاسم، يبقى السؤال المركزي كما هو:
كم تحقيقاً ولجنة تقصي ووعوداً رسمية بالمحاسبة يجب أن تمر قبل أن يواجه المسؤولون عن قتل المدنيين الفلسطينيين عدالة حقيقية؟
——–
الكاتب: د. مصطفى فتوري (Mustafa Fetouri)، كاتب ومحلل سياسي ليبي.
المصدر: ميدل إيست مونيتور، 6 نوفمبر 2026.