ماذا يعني انسحاب واشنطن الانتقائي من منظومة الأمم المتحدة؟

تفكيك هادئ للتعددية الدولية تحت شعار حماية المصالح القومية

أثار إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية ردود فعل متباينة بين القلق والترحيب. فعلى الرغم من أن الرقم يوحي بانسحاب أمريكي واسع من الساحة الدولية، فإن قراءة متأنية تكشف عن استراتيجية أكثر تعقيدًا وأبعد أثرًا من مجرد فك الارتباط مع منظومة الأمم المتحدة.

فالخطوة لا تمثل خروجًا شاملًا من النظام الدولي، بقدر ما تعكس عملية تقليم انتقائي تستهدف إضعاف فروع بعينها من التعاون متعدد الأطراف، تلك التي ترى الإدارة الأمريكية أنها تتعارض مع أولوياتها السياسية والأيديولوجية. وبينما قد يكون الأثر المالي المباشر محدودًا نسبيًا، فإن التداعيات طويلة الأمد على منظومة الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القواعد تبدو أكثر خطورة.

وتضم قائمة الكيانات المستهدفة طيفًا واسعًا من المؤسسات، من بينها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إلى جانب هيئات أقل شهرة، ما يعزز الانطباع الأولي برفض شامل للانخراط الدولي. غير أن الواقع، كما يشير مراقبون، أكثر دقة وتعقيدًا.

فمعظم الجهات المدرجة ليست منظمات دولية مستقلة، بل برامج وهيئات فرعية تابعة للأمم المتحدة. ولا يشمل القرار الانسحاب من ميثاق الأمم المتحدة ذاته، بل يركز على تقليص التمويل والانسحاب من مكونات محددة داخل المنظومة الأممية.

ويكشف هذا النهج الانتقائي عن أجندة أيديولوجية واضحة. إذ تتركز الكيانات المستهدفة في مجالات لطالما قللت إدارة ترامب من أهميتها، مثل تغير المناخ، والتنمية المستدامة، والمساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان. وتشمل القائمة إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهيئات معنية ببناء السلام ومنع النزاعات، إضافة إلى اللجان الاقتصادية الإقليمية التابعة للأمم المتحدة.

ولا يبدو هذا التوجه مجرد إجراء لتقليص النفقات، بل محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل بنية التعاون الدولي بما يتوافق مع رؤية قومية ضيقة.

في المقابل، يلفت الانتباه استمرار عضوية الولايات المتحدة في بعض الوكالات المتخصصة، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حين أُعلن الانسحاب من منظمة الصحة العالمية في مسار منفصل. ويعكس ذلك تعريفًا انتقائيًا للتعددية، قائمًا على ما يخدم المصالح الأمنية والجيوسياسية الأمريكية، لا على الالتزام بالقيم الجماعية.

وقد أوضحت الإدارة أن هذه الوكالات تُعد أدوات ضرورية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، وهو ما يبرز التناقض بين الخطاب الأمريكي حول السيادة الوطنية والممارسة الفعلية التي تُبقي على المؤسسات المفيدة استراتيجيًا.

إن استمرار هذا النهج يهدد بتقويض أسس الأمن الجماعي والقيم العالمية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة، ويفرغ النظام متعدد الأطراف من مضمونه تدريجيًا.

وفي مواجهة هذا المسار، لا يمكن للمجتمع الدولي الاكتفاء بالمراقبة. فثمة حاجة إلى تحرك جماعي يهدف إلى احتواء التداعيات وإعادة تأكيد أهمية التعاون الدولي.

ويبدأ ذلك بتولي الدول الأعضاء الأخرى مسؤولية سد الفجوة المالية والقيادية التي تتركها واشنطن، إلى جانب دور محوري للمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية في مراقبة آثار هذا الانسحاب والدفاع عن شرعية العمل الأممي.

كما تقع على عاتق الأمم المتحدة نفسها مسؤولية إعادة تقديم دورها للرأي العام العالمي، بعيدًا عن اللغة البيروقراطية، عبر إبراز تأثيرها الفعلي في حياة الشعوب.

تمثل هذه الخطوة الأمريكية تذكيرًا صارخًا بأن النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد مضمون الاستمرار. لكنها في الوقت ذاته دعوة مفتوحة للدفاع عن التعددية باعتبارها الإطار الأنجع لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، قبل أن تذبل كرمة الأمم المتحدة بالكامل.