ماذا يريد رئيس الصين من الولايات المتحدة ؟

تأتي قمة شي-ترامب في لحظة دولية شديدة الاضطراب

د. أحمد قنديل

تأتي القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جينبينج ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في بكين في 14 و15 مايو 2026 في لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها أزمات التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن الإقليمي مع تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. ومما يزيد من أهمية هذه القمة أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة لم تعد مجرد تنافس بين قوتين عظميين، بل أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد والأمن العالميين. وفي هذا السياق، يبرز عدد من الأسئلة المهمة، لعل من أبرزها ماذا يريد الرئيس الصيني من نظيره الأمريكي في هذه القمة؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي الإشارة أولاً إلى أنه أحياناً، لا تكون القمم الرئاسية الكبرى مجرد لقاءات بين زعيمين، وإنما لحظات كاشفة في حركة التاريخ. ذلك أن التاريخ، في جوهره، ليس سوى صراع مستمر بين قوى تصعد وأخرى تحاول الاحتفاظ بمواقعها فوق المسرح. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن النظر إلى القمة المرتقبة بين الرئيسين الصيني والأمريكي في بكين.

فنحن أمام مشهد يعكس انتقالاً عميقاً في توازن القوة العالمي. إذ تجد الولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب الباردة باعتبارها “القوة الوحيدة”، نفسها الآن أمام منافس يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي القائم بهدوء وصبر طويل النفس. ومن ناحيتها، تدرك بكين أن ميزان القوى لم يحسم بعد لصالحها، حيث ما تزال الولايات المتحدة أكبر قوة في العالم، من النواحي العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية. كما تعرف الصين أيضاً أن الزمن يتحرك لصالحها أكثر مما يتحرك لصالح الولايات المتحدة، نتيجة انشغال واشنطن بأزمات داخلية وخارجية متعددة، من الحرب في إيران إلى الاستقطاب السياسي الداخلي والضغوط الاقتصادية. ولهذا، فإن بكين لا تتصرف بعصبية القوى الجديدة، وإنما ببرود حضارة عمرها آلاف السنين، تعودت أن تنظر إلى السياسة باعتبارها لعبة “ماراثون” طويل وليس سباق مسافات قصيرة.

ولعل هذه النقطة تحديداً تفسر جانباً مهماً من سلوك القيادة الصينية خلال السنوات الأخيرة. فالصين لم ترد على الحرب التجارية الأمريكية بانفعال، ولم تدخل في مواجهة عسكرية مفتوحة حول تايوان، ولم تنجر إلى الاستفزازات الأمريكية في بحر الصين الجنوبي. بل، على العكس، حاولت بكين أن تدير الصراع مع إدارة ترامب بمنطق “امتصاص الضغوط” إلى أن تتغير الظروف الدولية أو يتعثر الرئيس الأمريكي.

أنياب التنين
لكن هذا المنطق لا يعني أن الرئيس شي سوف يقابل نظيره الأمريكي في قمة بكين بلا أوراق قوة. على العكس تماماً، حيث اكتشفت واشنطن، متأخرة، أن الصين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، وإنما أصبحت تتحكم في شرايين صناعية وتكنولوجية بالغة الحساسية. فالمعادن الأرضية النادرة، مثلاً، لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، وإنما أصبحت عنصراً حاكماً في الصناعات العسكرية والإلكترونية الأمريكية. وحين لوّحت بكين بتقييد الصادرات منها إلى واشنطن، شعرت الولايات المتحدة للمرة الأولى أن هناك نقاط ضعف حقيقية داخل بنيتها الصناعية نفسها.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق في هذه اللحظة الدولية. فواشنطن ما زالت القوة العسكرية الأولى في العالم، لكنها لم تعد تملك الاحتكار الاقتصادي أو التكنولوجي الذي امتلكته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

والصين تدرك ذلك جيداً. ولهذا، فإن الرئيس الصيني يدخل القمة المقبلة وهو يعرف أن الرئيس ترمب، رغم ضجيجه السياسي، جاء إلى بكين وهو في حاجة إلى إنجاز. فالرجل يواجه ضغوطاً داخلية، وتراجعاً في شعبيته، وأزمة مفتوحة في إيران، بينما الاقتصاد الأمريكي نفسه بدأ يشعر بأعباء الحرب التجارية الطويلة.

ومن هنا، فإن الرئيس شي يراهن على براجماتية ترمب وواقعيته. فهو يعرف أنه “رجل صفقات” أكثر منه “رجل استراتيجيات كبرى”، وأنه مستعد لتقديم تنازلات إذا حصل في المقابل على صورة انتصار سياسي أو اقتصادي يستطيع تسويقها داخلياً.

لكن الصين، في الوقت نفسه، لا تريد إذلال الولايات المتحدة، ولا دفعها إلى زاوية حرجة. ذلك أن بكين تعلم درساً أساسياً في التاريخ الدولي، يتمثل في أن القوى الكبرى تصبح أكثر خطورة حين تشعر بالخوف من التراجع. ولهذا، فإن السياسة الصينية الحالية تقوم على معادلة دقيقة هي منافسة الولايات المتحدة دون استفزازها إلى حد الانفجار. وفي هذا السياق، يبدو أن الرئيس شي لن يسعى، على الأرجح، إلى التوصل لـ “تسوية تاريخية” مع نظيره الأمريكي خلال قمة بكين المرتقبة، وإنما سوف يحاول، على الأرجح، منع انزلاق العلاقات بين البلدين إلى مواجهة شاملة تضر بالمصالح الصينية الاستراتيجية. فالصين تدرك أن التنافس مع الولايات المتحدة طويل الأمد وبنيوي، لكنها تريد أن يبقى هذا التنافس تحت السيطرة، وأن يُدار وفق قواعد تضمن استمرار صعودها الاقتصادي والتكنولوجي دون استنزاف أو احتواء كامل.

أولويات صينية متقدمة
لذلك، سيكون في مقدمة أولويات الرئيس الصيني، على الأرجح، خلال هذه القمة المهمة تثبيت “الهدنة الاستراتيجية” في الحرب التجارية. فمنذ فرض إدارة ترمب رسوماً جمركية ضخمة وصلت في بعض المراحل إلى 145 في المائة على السلع الصينية، دخل الاقتصاد الصيني مرحلة من الاضطراب وعدم اليقين. ورغم أن بكين تمكنت من امتصاص جزء مهم من الضغوط التجارية الأمريكية عبر تنويع أسواقها وتعزيز تجارتها مع دول الجنوب العالمي، فإنها لا تزال بحاجة إلى علاقات مع واشنطن مستقرة نسبياً لضمان استمرار النمو الاقتصادي. ومن هنا، يبدو أن الهدف الصيني الأكثر إلحاحاً في قمة بكين سوف يتمثل في تمديد الهدنة التجارية التي جرى التوصل إليها في قمة بوسان في أكتوبر 2025، مع السعي إلى تخفيض محدود ومتدرج للرسوم الجمركية الأمريكية، مقابل تقديم تنازلات اقتصادية محسوبة، مثل زيادة واردات المنتجات الزراعية الأمريكية أو إبرام صفقات كبيرة مع شركات أمريكية مثل “بوينج”.

لكن الاقتصاد ليس وحده على الطاولة. فالصين تريد أيضاً وقف سياسة “الخنق التكنولوجي” التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة. إذ أدركت بكين أن المعركة الحقيقية مع الولايات المتحدة ليست تجارية فقط، بل هي معركة على قيادة الثورة الصناعية المقبلة. ولذلك، فإن أي تخفيف للقيود الأمريكية على التكنولوجيا أو على وصول شركات التكنولوجيا الصينية إلى الأسواق الغربية سيُعد مكسباً استراتيجياً مهماً للرئيس شي.

أما على المستوى الجيوسياسي، يبدو ملف تايوان هو القضية الأكثر حساسية بالنسبة للرئيس شي. فالرجل ينظر إلى الجزيرة باعتبارها “الجرح المفتوح” في الجسد الصيني منذ نهاية الحرب الأهلية في منتصف القرن الماضي. وهو يدرك أن أي تنازل في هذه القضية لواشنطن سوف يُفسَّر داخلياً باعتباره ضعفاً يمس شرعية المشروع القومي الصيني كله.

واللافت أن بكين لا تبدو مستعجلة على الحسم العسكري مع “الأشقاء” في جزيرة تايوان. فهي تعتقد أن موازين القوة تتحرك تدريجياً لصالحها، وأن الزمن قد يحقق لها ما لا تحققه الحرب. ولذلك، فإن الهدف الصيني في هذه المرحلة ليس غزو تايوان، وإنما منع تحويلها إلى قاعدة أمريكية متقدمة في قلب المجال الحيوي الصيني، ودفع واشنطن إلى “معارضة” انفصال الجزيرة عن الوطن الأم، وليس فقط “عدم دعم” هذا الانفصال عن الوطن الأم.

أما في ما يتعلق بإيران، فإن بكين تنظر إلى الأزمة الحالية من زاوية مختلفة تماماً عن واشنطن. فالشرق الأوسط بالنسبة للصين ليس ساحة نفوذ بالمعنى التقليدي، وإنما مصدر طاقة واستقرار تجاري. ولهذا، فإن بكين لا تريد التورط في صراعات المنطقة، لكنها أيضاً لا تريد أن تسمح للولايات المتحدة باستخدام الحرب الإيرانية ذريعة لفرض ضغوط إضافية عليها، سواء فيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق، أو فيما يتعلق بواردات النفط الصينية من منطقة الخليج العربي، التي تلبي تقريباً 60 في المائة من وارداتها النفطية من الخارج، على حد تصريح الرئيس ترامب نفسه. ومن هنا يمكن فهم الحذر الصيني في التعامل مع الملف الإيراني. فبكين توفر دعماً سياسياً محدوداً، وتدعو للتهدئة، وترفض العقوبات والتصعيد العسكري، لكن دون انخراط مباشر في المواجهة العسكرية.

إعادة تعريف طبيعة العلاقات
تتمثل المسألة الأهم التي يجب متابعتها في قمة بكين المرتقبة في طبيعة التوافق بين الرئيسين الصيني والأمريكي بشأن شكل النظام الدولي نفسه في المستقبل. فالولايات المتحدة ما زالت تتصرف باعتبارها القوة القائدة للنظام العالمي، بينما ترى الصين أن العالم دخل بالفعل مرحلة “ما بعد الأحادية الأمريكية”. ولهذا، فإن الرئيس شي قد يسعى جاهداً في قمة بكين مع الرئيس ترامب إلى إعادة تعريف قواعد العلاقة بين الدولتين. فهو يريد علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل بالمجالات الحيوية، واحترام التوازنات الجديدة، وقبول فكرة أن العالم لم يعد يُدار من عاصمة واحدة.

وفي هذا الإطار، من اللافت للمراقبين للشأن الصيني أن بكين لا تسعى حالياً إلى تحدي الولايات المتحدة عسكرياً أو الدخول معها في مواجهة صفرية، بل تحاول تقديم نفسها باعتبارها قوة مسئولة تدافع عن الاستقرار الدولي والتعاون متعدد الأطراف. ويتضح ذلك في الخطاب الرسمي الصيني، الذي يركز على ضرورة التعاون بين القوتين الكبريين من أجل مواجهة التحديات العالمية، من الذكاء الاصطناعي إلى التغير المناخي والأمن الصحي واستقرار الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، لا يلغي الخطاب الرسمي في بكين حقيقة أساسية، وهي أن الصين تعمل بهدوء وثبات على إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي. فهي تستثمر في بناء شراكات بديلة، وتعزيز نفوذها في الجنوب العالمي، وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتقليل اعتمادها على الغرب.

لذلك، يمكن القول إن الرئيس شي يدخل هذه القمة مع نظيره الأمريكي وهو ، في الواقع، لا يريد “صفقة” بالمعنى الأمريكي للكلمة، ولا “صداقة” بالمعنى العاطفي الذي يتحدث عنه ترمب أحياناً، وإنما يريد شيئاً أكثر عمقاً وأبعد أثراً. فالرئيس الصيني يريد اعترافاً أمريكياً بحقيقة أن بكين أصبحت شريكاً أساسياً في قيادة العالم، لا مجرد قوة صاعدة يمكن حصارها أو تأجيل صعودها. الرئيس الصيني يريد أيضاً أن يدرك نظيره الأمريكي أن أفضل الخيارات لواشنطن هو التعايش مع هذا الصعود الصيني بدلاً من محاولة وقفه.

وهنا بالضبط تكمن العقدة الكبرى. فالولايات المتحدة تجد صعوبة نفسية واستراتيجية في قبول فكرة الشريك الندّ في الصين، بينما ترى بكين أن زمن التبعية أو الانحناء للغرب قد انتهى. وبين هذين التصورين، سوف يتحدد، في الغالب، مستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين.

** د. أحمد قنديل/ رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

*المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

اترك تعليقا