لماذا يتظاهر الغرب دفاعا عن غزة بينما يصمت العرب؟
عامر زياد جلول يكتب
- dr-naga
- 24 أغسطس، 2025
- رأي وتحليلات
- إسرائيل, العرب, الغرب, عامر زياد جلول, غزة, فلسطين
هناك سؤال يثير الانتباه ويستأثر بالفكر: لماذا تتظاهر الشعوب الغربية دفاعا عن غزة، رغم غياب أي تقارب ثقافي أو لغوي أو ديني معها، وانعدام أي ترابط جيوسياسي مباشر؟
بالمقابل، تبدو الشعوب العربية، المرتبطة ارتباطا وثيقا بهذه الأرض بالقيم والتاريخ والدين، متحفظة على التحرك الفعلي، وغالبا ما تقتصر مشاركتها على التعبير الرمزي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التباين يطرح سؤالا عميقا حول الدوافع الثقافية والسياسية والأخلاقية وراء التضامن الغربي، في مقابل الجمود العربي، ما يترك أثرا نفسيا واجتماعيا مؤلما على المتابعين والمهتمين بالقضية، خاصة عند رؤية الجماهير الغربية تتظاهر في شوارع مدن مثل ملبورن، ولندن وغيرهما من مراكز النفوذ والدعم السياسي والاقتصادي للصهيونية، بينما يغيب التحرك الملموس في الأوساط العربية.
تناول المستشرق الفرنسي فرانسوا بورغا قضية فلسطين من منظور فرنسي وأوروبي، مؤكدا أن إسرائيل في وعي الغرب كانت تُصور كـ”الشعب الذي يزرع الصحراء ورودا”
الملاحظ في السياق الغربي هو توسع دائرة النخب الفكرية والثقافية والسياسية التي بدأت تتحرر من العباءة السياسية التقليدية، والتي كانت بالفطرة تميل إلى تأييد إسرائيل.
لقد نشأت كتلة نخبوية جديدة، متنوعة ومختلفة، تشهِر العداء لإسرائيل، وتواجه التحديات المحتملة التي قد تؤثر على معيشتها واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
وتُعد هذه الظاهرة أمرا غير مسبوق في العالم الغربي، إذ لم يشهد من قبل انقساما عموديا وحادا تجاه إسرائيل، وهو انقسام يعكس شرخا كبيرا في الوعي الغربي نتيجة التوحش الإسرائيلي وما أحدثه من صدمة أخلاقية وفكرية لدى المجتمعات الغربية.
إن تفسير هذه الظاهرة يتطلب فهم السيكولوجية الجماعية للشعوب والفروقات الثقافية بين الشرق والغرب. فقد تناول المستشرق الفرنسي فرانسوا بورغا قضية فلسطين من منظور فرنسي وأوروبي، مؤكدا أن إسرائيل في وعي الغرب كانت تُصور كـ”الشعب الذي يزرع الصحراء ورودا”.
ويشير بورغا إلى أن النظرة الغربية تجاه إسرائيل لم تكن محايدة، بل تأثرت بشكل كبير بالسلطات السياسية الغربية والإسرائيلية. لقد رسخت السردية الإسرائيلية والاستشراقية تصورات محددة في العقل الغربي، سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي.
ويشير الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في كتابه The Promised Land إلى أن إسرائيل تُصور منذ الطفولة في العقل الغربي على أنها دولة صالحة ومظلومة، محاطة بالمعتدين والمجرمين.
هذه السردية لم تقتصر على التعليم المبكر، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة الغربية المؤسسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي تعتبر دعم إسرائيل واجبا مقدسا.
وهو خطاب أيديولوجي مستمر، لا لحظي، يتغذى على رؤية دينية بروتستانتية، أعلنه العديد من القادة السياسيين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، مما يعكس استمرارية الهيمنة الفكرية والسياسية لهذه السردية في تشكيل الرأي العام الغربي.
التجاوب الجماهيري كان محدودا، فلم تعبّر الغالبية من الشعوب العربية عن موقفها بطريقة ملموسة، رغم أن الجماهير سبق لها أن خرجت في مناسبات أخرى للتعبير عن مواقفها ومواجهة التحديات
لقد استمر الغياب النقدي للفهم التاريخي الصحيح حتى وقع ما يمكن وصفه بـ”الطوفان”، وهو تحول كبير في الوعي الغربي، إذ بدأ الخروج من عباءة الأجهزة الإعلامية التقليدية، وظهرت رؤية أكثر وضوحا لحقيقة الدولة الإسرائيلية على المستويين؛ الأخلاقي والسياسي. كانت هذه لحظة انكشاف الزيف التاريخي للسرديات الإسرائيلية، ولإعادة تقييم المواقف الغربية التقليدية.
وعلى الرغم من أن الليبرالية الغربية أظهرت حدودها، وكشفت زيفها نتيجة الاضطهاد والمضايقات التي يتعرض لها من ينتقد إسرائيل، فإن عددا متزايدا من المثقفين والجماهير الغربية قرروا مواجهة هذه السرديات، سواء عبر البودكاست، أو البرامج الإعلامية، أو المظاهرات الحاشدة.
وقد مثل هذا التحول لحظة فارقة في التاريخ الفكري للعقل الغربي الكلاسيكي، إذ أعاد ترتيب المفاهيم حول العدالة والسلطة والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ممهّدا لانخراط أوسع في النقاش الأخلاقي والسياسي للقضية الفلسطينية.
بالحديث عن الشعوب العربية، تظل مسألة فلسطين عقدة جيوسياسية وإستراتيجية في قلب العالم العربي. فقد ظهر هذا التأثير على الصعيد السياسي بدرجة واضحة، إلا أن التجاوب الجماهيري كان محدودا، فلم تعبّر الغالبية من الشعوب العربية عن موقفها بطريقة ملموسة، رغم أن الجماهير سبق لها أن خرجت في مناسبات أخرى للتعبير عن مواقفها ومواجهة التحديات.
هذا الصمت الجماهيري يثير تساؤلات أخلاقية وهويّة ثقافية، إذ كان من المتوقع أن تكون المبادرة الأولى للحركة والدفاع عن فلسطين من قبل الشعوب العربية نفسها، بدلا من الشعوب الغربية.
انزلق الصراع العربي- الإسرائيلي في وعي العقل العربي من كونه صراعا حضاريا إلى مجرد صراع بين فصيل وإسرائيل، وهو انزلاق خطير يعكس مدى انصياع الوعي العربي للهيمنة السلطوية التقليدية
ومن المفارقات اللافتة أن الغرب، رغم تبنيه ليبرالية انتقائية تصب عادة في مصالحه، منح مع ذلك هامشا واسعا للنقد الفكري والثقافي، وهو ما كان عاملا حاسما في معركة الوعي والخروج من أسر السردية الإسرائيلية، إذ مكّن ذلك الجمهور الغربي من إعادة تقييم المواقف والحقائق، وهو ما يظل غائبا أو محدودا في السياق العربي المعاصر.
لقد انزلق الصراع العربي- الإسرائيلي في وعي العقل العربي من كونه صراعا حضاريا إلى مجرد صراع بين فصيل وإسرائيل، وهو انزلاق خطير يعكس مدى انصياع الوعي العربي للهيمنة السلطوية التقليدية.
وقد نتج عن هذا الانزلاق نوع من الانقسام بين الشعوب العربية تجاه القضية الفلسطينية، مما أضعف قدرة المجتمع العربي على التفاعل الفعّال مع الأحداث التاريخية المصيرية.
تأتي هذه المشكلة في لحظة تاريخية حرجة، إذ تتعرض فلسطين لتهديدات غير مسبوقة، ليس على مستوى الدولة المستقبلي كما يزعم البعض، بل على مستوى العمق الإستراتيجي والجيوسياسي، باعتبار فلسطين قلب العالم العربي، وانهيارها يمثل ضربة قوية لبقية أقطار المنطقة.
يعيد التاريخ نفسه: فالتخاذل الذي أصاب الأمة في تلك الحقبة سمح للشرق بأن يُسقط تحت سيطرة الاحتلال، واليوم تتكرر بعض هذه المظاهر على صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي
إن الانهيار في فلسطين لم يكن حدثا مفاجئا، بل سبقه انهيار الوعي لدى البيئة الإستراتيجية المحيطة بالقضية الفلسطينية. فقد نجح الغرب، بمساعدة المنظومة العربية التقليدية، في العبث بالهوية والوعي العربي، وتحويل فلسطين من صراع حضاري إلى مجرد صراع محصور جغرافيا وفي فصيل سياسي، وهو ما ساهم في تهميش البعد الأخلاقي والإستراتيجي للقضية، وأضعف الفاعلية العربية على المستويين؛ الإقليمي والدولي.
من يراجع تاريخ الحروب الصليبية يلاحظ تشابها واضحا مع الغزو الإسرائيلي المعاصر. فإسرائيل اليوم تمثل نسخة حديثة من الحروب الصليبية، مستندة إلى رؤية بروتستانتية وصهيونية يهودية حديثة، مما يعكس استمرارية منطق القوة والغزو باسم المعتقدات الدينية والسياسية.
ويعيد التاريخ نفسه: فالتخاذل الذي أصاب الأمة في تلك الحقبة سمح للشرق بأن يُسقط تحت سيطرة الاحتلال، واليوم تتكرر بعض هذه المظاهر على صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي. ويبرر هذا التشابه اهتمام الإسرائيليين الشديد بدراسة الحروب الصليبية وفهم أسباب سقوطها، لتجنب تكرار أخطاء الماضي.
أما العرب والمسلمون، فلم يولوا هذا الدرس التاريخي الاهتمام الكافي، وهو ما يعكس قصورا في فهم خطورة الموقف ورؤية القوة التي يحملها العدو، مما يجعل القدرة على مواجهة التحديات الراهنة أقل فاعلية مقارنة بالتخطيط الإسرائيلي المدروس.
إن القضية لا تتعلق بفلسطين كجغرافيا أو مقدسات فحسب، بل تشمل التاريخ، والعمق الإستراتيجي، والحضور الحضاري للأمة
المعركة الأهم اليوم هي معركة ثقافية، تهدف إلى تحرير وعي شعوبنا من أسر السلطة والثقافة البالية. فالتحول الكبير الذي طرأ على العالم الغربي أصبح من الضروري أن ينتقل إلى عالمنا الإسلامي والعربي، إذ يعاني الوعي العربي والإسلامي من الانحلال والإرهاق الفكري، وأصبح متوافقا مع النظام المعرفي الذي أنتجته الثقافة السياسية التقليدية ورؤية الغرب للشرق.
إن القضية لا تتعلق بفلسطين كجغرافيا أو مقدسات فحسب، بل تشمل التاريخ، والعمق الإستراتيجي، والحضور الحضاري للأمة. ولا يمكن تحقيق التحرر الحقيقي دون إعلان حرب ثقافية شاملة على الموروثات السياسية القائمة في مجتمعاتنا، والبدء بإعادة تفسير المصطلحات والمعاني من جديد، بما يعيد للوعي العربي مكانته في صياغة تصورات واقعية ومستقلة عن الهيمنة الفكرية والسياسية الغربية.
عامر زياد جلول
المصدر: الجزيرة