لماذا تخسر الدول النامية كوادرها الطبية؟

رحيل الأطباء يهدر استثمارات طويلة في التعليم والتدريب

بينما تتسابق الدول حول العالم لبناء أنظمة صحية أكثر كفاءة، تخوض الدول النامية معركة مختلفة تتمثل في الحفاظ على أهم أصولها الطبية.. (الأطباء والممرضون)، فكل رحلة هجرة لا تعني فقط مغادرة طبيب إلى وظيفة أفضل، بل تمثل خروج استثمار ضخم أنفقته الدولة على التعليم والتدريب، لينتقل مردوده الاقتصادي إلى دولة أخرى، ومع اشتداد المنافسة العالمية على الكفاءات الصحية، تحولت هجرة الأطباء من قضية مهنية إلى تحدٍ اقتصادي يمس الإنفاق العام، وجودة الرعاية الصحية، وقدرة الدول على تحقيق التنمية المستدامة.

ثروة تنفقها الدول ويجني الآخرون عائدها..

أصبحت هجرة الأطباء تمثل أحد أبرز أشكال استنزاف رأس المال البشري في الدول النامية، إذ تنفق الحكومات سنوات طويلة وموارد مالية كبيرة لإعداد الطبيب، بدءاً من “التعليم الجامعي المدعوم” وصولاً إلى “التدريب داخل المستشفيات التعليمية”، قبل أن تستفيد من خبراته دول أخرى نجحت في استقطابه، ووفقاً لـ”منظمة الصحة العالمية”، يواجه العالم عجزاً متوقعاً يبلغ نحو (11 مليون عامل صحي) بحلول “عام 2030″، يتركز معظمه في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو ما يزيد حدة المنافسة على الكفاءات الطبية.

وتشير تقديرات “البنك الدولي” و”منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، إلى أن تكلفة إعداد الطبيب قد تصل إلى عشرات أو حتى مئات الآلاف من الدولارات، عند احتساب الإنفاق على التعليم والتدريب والبنية التحتية، ولا تقتصر الخسارة على هذه التكلفة، بل تمتد إلى فقدان العائد الاقتصادي المتوقع من خدمات الطبيب، ودوره في تدريب أجيال جديدة، وتحسين صحة المجتمع ورفع إنتاجيته، لذلك يعتبر “خبراء اقتصاد الصحة”، أن هجرة الطبيب تعني خسارة استثمار طويل الأجل، وإجبار الدولة على إعادة ضخ موارد إضافية لإعداد كوادر جديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المستشفيات ونقص الكوادر الطبية.

بين إغراءات الخارج وتحديات الداخل..

تنظر الدول المتقدمة إلى استقطاب الأطباء باعتباره استثماراً منخفض التكلفة مقارنة بإعداد كوادر جديدة، ولذلك تقدم حوافز مالية ومهنية واسعة تشمل “الرواتب المرتفعة”، و”بيئات العمل المتطورة”، و”فرص البحث العلمي”، و”سهولة الحصول على التراخيص والإقامة”، وتؤكد تقارير “منظمة الصحة العالمية” و”المجلس الدولي للممرضات”، أن الفارق في الدخل، إلى جانب توافر الإمكانات الطبية، والاستقرار الوظيفي، وفرص الترقية، وتعتبر هذه أبرز دوافع الهجرة، إضافة إلى ضعف التمويل الصحي، ونقص التجهيزات والضغوط المهنية في كثير من الدول النامية.

ورغم أن القوانين والاتفاقيات الدولية تضمن حق الأطباء في العمل والهجرة إلى الخارج، فإن “منظمة الصحة العالمية”، دعت من خلال المدونة العالمية لممارسات التوظيف الدولي للعاملين في مجال الصحة، إلى تحقيق توازن بين احتياجات الدول المستقبلة، وحقوق الدول التي تستثمر في إعداد كوادرها، ويرى “خبراء اقتصاد الصحة”، أن الحد من نزيف الأطباء هذا، لن يكون بمنع الهجرة، بل بتحسين بيئة العمل، ورفع الأجور تدريجياً، وتحديث المستشفيات، ودعم البحث العلمي، وتوفير مسارات واضحة للتطور الوظيفي، إلى جانب بناء شراكات دولية لتقاسم تكلفة إعداد الكفاءات، فالمحافظة على الأطباء لم يعد أمرًا يتعلق بقطاع الصحة فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستثماراً في استدامة التنمية وجودة الحياة.

اترك تعليقا