كيف تصنع المياه سلام واستقرار الدول الإسلامية؟
المياه والأمن القومي
- dr-naga
- 18 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- استقرار الدول الإسلامية, الطاقة, الغذاء, المناخ, المياه, المياه والأمن القومي, تابع
الرائد: في عالمٍ يعيد صياغة معادلات القوة والاستقرار بناءً على امتلاك الموارد الأساسية، لم تعد المياه مجرد عنصر طبيعي لضمان البقاء، بل تحولت إلى المحرك الأول للتنمية والمحدد الأبرز للأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وتواجه المنطقة العربية والإسلامية اليوم واقعاً جغرافياً ومناخياً يضعها في قلب أكثر مناطق العالم جفافاً، مما يجعل إدارة هذا الملف الحيوي تحدياً مصيرياً لا يحتمل التأجيل. إن التزايد السكاني المتسارع، والتقلبات الحادة في المناخ، والطلب المتصاعد على الغذاء والطاقة، كلها عوامل تدفع بملف المياه من أروقة المبادرات البيئية إلى طاولات التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار. ولم يعد السؤال اليوم يدور حول كيفية التعايش مع ندرة المياه، بل كيف يمكن تحويل هذا التحدي الوجودي إلى منصة للانطلاق نحو ابتكار علمي غير مسبوق، وبناء ديبلوماسية مائية تصنع تعوناً إقليمياً راسخاً، يضمن للمنطقة أمنها، واستقرارها، وازدهار شعوبها.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو ملياري شخص حول العالم يعيشون في دول تعاني مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي، بينما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن الزراعة تستهلك النسبة الأكبر من المياه العذبة عالميًا، مما يجعل تحسين كفاءة الري أحد أهم مفاتيح تحقيق الأمن الغذائي.
ويمتلك العالم العربي والإسلامي صورة مائية متباينة؛ فبينما تواجه دول الخليج وشمال إفريقيا ندرة كبيرة في الموارد الطبيعية، تتمتع دول مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان وقرغيزستان وطاجيكستان بموارد مائية أكثر وفرة نسبيًا. كما تضم المنطقة عددًا من أهم الأنهار الدولية، مثل النيل ودجلة والفرات والسنغال والنيجر، إضافة إلى أحواض جوفية مشتركة بين عدة دول.
وتاريخيًا، ارتبط ازدهار الحضارات الإسلامية بحسن إدارة المياه. فقد طورت المجتمعات الإسلامية أنظمة متقدمة للري، والقنوات، والسدود، والأفلاج في عُمان، والخطارات في المغرب، والسواقي في الأندلس، وأسهم المهندسون المسلمون في تطوير تقنيات توزيع المياه وحفظها، وهو ما وثقته دراسات تاريخ العلوم والهندسة الإسلامية.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الإدارة المشتركة لأحواض الأنهار والمياه الجوفية تمثل أحد أهم أدوات منع النزاعات وتعزيز التنمية المستدامة، خاصة عندما تستند إلى البيانات العلمية والاتفاقات القانونية.
ويرى خبير المياه الأمريكي آرون وولف، أستاذ الجغرافيا بجامعة ولاية أوريغون، في أبحاثه حول إدارة الأنهار المشتركة، أن التعاون في إدارة الموارد المائية أكثر شيوعًا تاريخيًا من الصراع عليها، وأن المؤسسات المشتركة والشفافية في تبادل البيانات تقلل من احتمالات التوتر بين الدول.
ومن أبرز فرص التكامل العربي والإسلامي إنشاء مراكز بحثية مشتركة لتطوير تقنيات تحلية المياه منخفضة التكلفة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين كفاءة الري، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات المائية، وهي مجالات تشهد تطورًا متسارعًا.
كما يمكن للدول ذات الخبرة في التحلية، مثل دول الخليج، أن تنقل خبراتها إلى دول أخرى، في حين تسهم الدول ذات الموارد المائية الأكبر في تبادل الخبرات في إدارة الأنهار والسدود والزراعة المروية، بما يعزز الأمن المائي والغذائي معًا.
وتشير البنك الدولي إلى أن الاستثمار في البنية التحتية المائية، وتحسين الحوكمة، وتقليل فاقد المياه في الشبكات، يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة، ويخفض الخسائر المرتبطة بندرة المياه والجفاف.
ومن الناحية الاقتصادية، يمثل قطاع المياه فرصة لتطوير صناعات جديدة، تشمل معدات التحلية، وتقنيات الري الذكي، وأجهزة الاستشعار، والخدمات الهندسية، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات والجامعات ومراكز الابتكار في العالم الإسلامي.
لكن هذا المسار يواجه تحديات تتعلق بتغير المناخ، والنمو السكاني، وتلوث الموارد المائية، وارتفاع تكاليف مشروعات البنية التحتية، إضافة إلى تعقيدات إدارة الأحواض المائية المشتركة بين الدول.
ويتوقع خبراء الأمم المتحدة والفاو أن يزداد الضغط على الموارد المائية خلال العقود المقبلة، مما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتعزيز التعاون الإقليمي، عوامل حاسمة لضمان الأمن المائي.
إن المياه ليست موردًا طبيعيًا فحسب، بل أساس للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وإذا نجحت الدول العربية والإسلامية في بناء شراكات علمية وتقنية لإدارة هذا المورد الحيوي، فإنها لن تعزز أمنها المائي فقط، بل ستدعم أيضًا الأمن الغذائي، والتنمية الصناعية، والتكامل الإقليمي، بما يهيئ المنطقة لمواجهة تحديات المستقبل بثقة أكبر.
المصادر:
الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO، البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة للمياه UN-Water، أعمال آرون وولف حول إدارة المياه العابرة للحدود، المعهد الدولي لإدارة المياه IWMI.
