كيف تواجه واشنطن نفوذ بكين في كازاخستان؟
صراع الممرات والمعادن في أستانا
- dr-naga
- 11 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- آسيا الوسطى, النفوذ الصيني, الولايات المتحدة, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, روسيا, كازاخستان
أصبحت آسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة واحدة من المناطق التي يتقاطع فيها التنافس الأمريكي الصيني مع المصالح الروسية التاريخية، بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية الكبيرة. وتبرز كازاخستان بصورة خاصة باعتبارها أكبر دول المنطقة مساحة، ومالكة احتياطيات ضخمة من اليورانيوم والنفط والغاز والمعادن الحرجة التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي الجديد.
وتحتل كازاخستان موقعًا استراتيجيًا بين روسيا والصين وبحر قزوين، ما جعلها حلقة مهمة في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. ففي عام 2013 أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحزام والطريق من العاصمة الكازاخية أستانا، في إشارة إلى أهمية البلاد في رؤية بكين لربط الصين بالأسواق الأوروبية عبر البر.
وتعد كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفق بيانات الرابطة النووية العالمية، كما تمتلك احتياطيات مهمة من التيتانيوم والكروم والمنغنيز والعناصر الأرضية النادرة. وقد جعل ذلك البلاد هدفًا رئيسيًا للاستثمارات الصينية، خصوصًا في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والنقل.
وتعتبر الصين اليوم أحد أكبر الشركاء التجاريين لكازاخستان، وقد استثمرت الشركات الصينية في مشروعات السكك الحديدية والطرق والطاقة، ضمن إطار ربط آسيا الوسطى بالممرات التجارية الصينية. وترى بكين أن استقرار المنطقة ضروري لأمن حدودها الغربية ولنجاح مشروعها الاقتصادي العالمي.
في المقابل، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي زيادة اهتمامهما بآسيا الوسطى مع تصاعد المنافسة على المعادن الحرجة ومحاولات تقليل الاعتماد على الصين وروسيا في سلاسل التوريد. وأطلقت واشنطن مبادرات للحوار مع دول المنطقة، أبرزها صيغة C5+1 التي تجمع الولايات المتحدة مع كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان.
ويرى إيريك غارسيتي، الباحث في شؤون آسيا الوسطى بمؤسسات بحثية أمريكية، أن واشنطن لا تهدف إلى استبدال النفوذ الصيني في المنطقة بشكل كامل، لكنها تسعى إلى تقديم خيارات اقتصادية ودبلوماسية للدول التي تريد تنويع علاقاتها الخارجية.
أما بول سترونسكي، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمتخصص في روسيا وآسيا الوسطى، فيشير إلى أن دول المنطقة تنتهج سياسة “التوازن المتعدد”، فهي تحافظ على علاقات قوية مع روسيا والصين، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن استثمارات وشراكات مع الغرب لتجنب الاعتماد على قوة واحدة.
ويؤكد جوشوا كوتين، الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، أن المعادن الحرجة أصبحت أحد المجالات الجديدة للتنافس الدولي، وأن آسيا الوسطى قد تصبح مصدرًا مهمًا للموارد التي تحتاجها الصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة.
ومن جانبها، ترى الصين أن انخراطها الاقتصادي في آسيا الوسطى يقوم على التعاون والتنمية، بينما تنتقد بعض الحكومات الغربية اعتماد المنطقة الكبير على التمويل الصيني، خصوصًا في مشروعات البنية التحتية الكبرى. لكن باحثين مثل ديبورا براوتيغام من جامعة جونز هوبكنز حذروا في دراساتهم من التعميم في وصف جميع الاستثمارات الصينية بأنها “فخ ديون”، مؤكدين أن العلاقة تختلف من دولة إلى أخرى.
وتسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تطوير ممرات نقل بديلة، مثل الممر الأوسط الذي يربط الصين وآسيا الوسطى ببحر قزوين والقوقاز وتركيا وأوروبا، باعتباره طريقًا يمكن أن يقلل الاعتماد على الممرات التي تمر عبر روسيا.
ويرى محللون في وكالة الطاقة الدولية IEA والبنك الدولي أن أهمية آسيا الوسطى ستزداد خلال السنوات المقبلة بسبب ارتفاع الطلب على المعادن الضرورية للبطاريات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية. لكن التحدي الرئيسي أمام الدول الغربية هو تحويل الاهتمام السياسي إلى استثمارات فعلية قادرة على منافسة الحضور الصيني الطويل الأمد.
وفي النهاية، تمثل كازاخستان وآسيا الوسطى نموذجًا واضحًا لطبيعة المنافسة الأمريكية الصينية الحديثة؛ فهي ليست مواجهة عسكرية مباشرة، بل سباق على الموارد، والبنية التحتية، وخطوط التجارة، والشراكات الاقتصادية. وستظل المنطقة خلال العقد المقبل إحدى الساحات المهمة التي تحدد قدرة واشنطن وبكين على توسيع نفوذهما في قلب أوراسيا.
المصادر:
الرابطة النووية العالمية World Nuclear Association، هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS، مركز كارنيغي للسلام الدولي، مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، وزارة الخارجية الأمريكية، مبادرة C5+1، البنك الدولي، وكالة الطاقة الدولية IEA، وكالة رويترز، فايننشال تايمز.مستفاد من الذكاء الاصطناعي
