كابل وإسلام آباد على حافة مواجهة مفتوحة

من يشعل الحدود؟

لم يعد التوتر بين أفغانستان وباكستان مجرد سلسلة من الاشتباكات الحدودية المتقطعة، بل تحول إلى أزمة مركبة تتداخل فيها هواجس الأمن مع خلاف تاريخي حول الحدود، وحسابات النفوذ الإقليمي، والاعتماد الاقتصادي، وملف الجماعات المسلحة. ومع تجدد الضربات والردود العسكرية خلال سبتمبر/أيلول 2026، تبدو العلاقة بين كابل وإسلام آباد أمام مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد خلاف يمكن احتواؤه بوقف إطلاق نار مؤقت.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الهدوء الذي ساد لأسابيع لم يكن تسوية حقيقية، بل فترة توقف مؤقت في صراع بقيت أسبابه الأساسية دون معالجة. فقد أعلنت باكستان في 21 سبتمبر/أيلول تنفيذ غارات داخل الأراضي الأفغانية قالت إنها استهدفت مسلحين، وأكدت مقتل 28 منهم، بينما قالت السلطات الأفغانية إن مدنيين سقطوا في الضربات، وأكدت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان مقتل ثلاثة مدنيين. وبحسب رويترز، جاءت الضربات في ظل تصاعد الهجمات المسلحة داخل باكستان والاتهامات المتبادلة بشأن إيواء الجماعات المسلحة.

حدود لم تُغلقها الجغرافيا

في قلب الأزمة يقف خط ديورند، الذي رسمته بريطانيا عام 1893 على امتداد نحو 2600 كيلومتر. فالخط لم يقسم دولتين فقط، وإنما شطر مناطق تقطنها جماعات قبلية وبشتونية مترابطة، وهو ما جعل الحدود منذ تأسيس باكستان عام 1947 قضية سياسية وأمنية واجتماعية في آن واحد.

وتتعامل إسلام آباد مع الخط باعتباره حدودها الدولية، بينما لم تقبل الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف به باعتباره حدودا نهائية. ويرى الدكتور تشيتيج باجباي، الباحث المتخصص في شؤون جنوب آسيا في تشاتام هاوس، أن النزاع الحدودي يمثل أحد جذور المشكلة، لكنه لا يفسر وحده التصعيد الحالي، الذي ارتبط بصورة أكبر بالنشاط المسلح داخل باكستان وبأزمة الثقة بين الطرفين.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فحتى عندما يتوقف إطلاق النار، تظل القضية التي صنعت الحدود موضع خلاف، بينما تبقى المجتمعات الموجودة على جانبيها مرتبطة بالقبيلة والأسرة والتجارة وحركة السكان.

“طالبان باكستان” عقدة المواجهة

أخطر ملفات الخلاف حاليا هو حركة طالبان باكستان، التي أنهت وقف إطلاق النار مع إسلام آباد في أواخر 2022، ثم صعدت هجماتها ضد القوات والأهداف الباكستانية.

وتتهم باكستان سلطات طالبان الأفغانية بالسماح لمقاتلي الحركة باستخدام الأراضي الأفغانية ملاذا ومركزا للتخطيط والتنفيذ، فيما تنفي كابل هذه الاتهامات وتقول إنها لا تسمح باستخدام أراضيها ضد الدول الأخرى.

وتشير الباحثة فرح بانديث، الزميلة في مجلس العلاقات الخارجية والمتخصصة في مكافحة الإرهاب، إلى أن استمرار الصراع يفتح المجال أمام تحولات أمنية غير محسوبة، خصوصا مع وجود جماعات مسلحة متعددة في المنطقة. ويرى ألكسندر بالمر، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى زيادة مساحة التهديد الذي تمثله تنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة.

وبذلك، لا يتعلق النزاع بمواجهة ثنائية فقط؛ فكل جولة قتال قد تمنح جماعات مسلحة أخرى فرصة لاستغلال الفوضى الحدودية.

الاقتصاد يدفع ثمن السياسة

لا تتوقف تداعيات الصراع عند الجوانب العسكرية. فإغلاق المعابر الحدودية، خصوصا تورخم وسبين بولدك، يضرب التجارة وحركة الشاحنات والسلع، ويضع الاقتصاد الأفغاني أمام ضغوط إضافية بسبب اعتماد البلاد على ممرات برية تمر عبر الدول المجاورة.

وتشير البيانات الباكستانية إلى تراجع التجارة الثنائية خلال الفترة الأخيرة، في وقت تسعى فيه كابل إلى تنويع طرقها التجارية عبر إيران وميناء تشابهار، إلى جانب توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا والهند.

ويقول الدكتور طغرل يامين، الباحث في معهد دراسات السياسات الباكستاني، إن الضغوط العسكرية وحدها لا تقدم مخرجا مستقرا، داعيا إلى الجمع بين الردع والحوار واحترام السيادة والتعاون الاقتصادي، مع إمكانية إحياء مسار تفاوضي يضم أفغانستان وباكستان والصين.

هذا التحول الاقتصادي مهم لأنه يعني أن كابل لم تعد تنظر إلى باكستان باعتبارها منفذها الخارجي الرئيسي الوحيد، بينما ترى إسلام آباد أن تقليص اعتماد أفغانستان عليها يمكن أن يتحول إلى خسارة لنفوذ اقتصادي وسياسي تراكم على مدى عقود.

الهند والصين تدخلان من بوابة المصالح

ويزيد التقارب الأفغاني مع الهند من حساسية الموقف الباكستاني. فقد عملت نيودلهي خلال السنوات الأخيرة على إعادة بناء قنوات الاتصال مع كابل، بينما تسعى أفغانستان إلى تنويع علاقاتها الخارجية وعدم حصرها في الجوار الباكستاني.

وفي المقابل، تحاول الصين إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الطرفين، خصوصا أن استمرار الاضطراب قرب حدودها ومصالحها الاقتصادية في باكستان قد يفرض عليها دورا أكبر في الوساطة.

لكن بكين، كما يرى باجباي، لا تبدو راغبة في الانخراط في حرب مفتوحة، وقد يزداد تدخلها فقط إذا أصبحت المواجهة تهدد مواطنيها أو استثماراتها ومشروعاتها الإقليمية.

إلى أين تتجه المواجهة؟

السيناريو الأكثر ترجيحا في المدى القريب ليس حلا نهائيا، وإنما دورة جديدة من التصعيد ثم الوساطة. فباكستان تملك تفوقا جويا وعسكريا واضحا، لكنها تواجه تكلفة عالية لأي حرب طويلة، في ظل تحديات أمنية على حدودها الأخرى. أما طالبان فتفتقر إلى القوة الجوية اللازمة لخوض حرب تقليدية ممتدة، لكنها تملك القدرة على خوض مواجهة غير متماثلة على امتداد الحدود.

وتشير خبرات الجولات السابقة إلى أن الوساطات القطرية والتركية والسعودية والصينية يمكن أن تساعد في وقف القتال، لكنها لن تكون كافية ما لم يتفق الطرفان على الملفات التي تقف خلفه: نشاط الجماعات المسلحة، إدارة الحدود، حركة اللاجئين، التجارة، وخط ديورند.

والخطر الأكبر يتمثل في تحول الاشتباكات الحالية إلى نمط دائم من الضربات والردود، بحيث تصبح الحدود منطقة صراع مستمر، وتتحول الخلافات الأمنية إلى قطيعة سياسية واقتصادية أوسع.

أما إذا تمكنت كابل وإسلام آباد من العودة إلى تفاوض مباشر يربط الأمن بالتجارة وإدارة الحدود، فقد يصبح وقف التصعيد قابلا للاستمرار. غير أن ذلك يتطلب تنازلات متبادلة، في وقت لا يزال فيه الطرفان ينظران إلى الأزمة من زاوية أمنية متعارضة: إسلام آباد تريد ضمانات ضد الجماعات المسلحة، بينما ترى كابل أن الغارات والضغط العسكري يمسان سيادتها ويعمقان عدم الثقة.

اترك تعليقا