قانون “التغلغل الإسلامي” في فرنسا
بين هواجس الأمن وانتقادات المساس بالحريات
- السيد التيجاني
- 12 يوليو، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير وترجمات
- التغلغل الإسلامي, المسلمين, فرنسا
أعاد مشروع القانون الفرنسي الجديد المعروف إعلاميًا باسم “قانون التغلغل” الجدل حول العلاقة بين الأمن والحريات العامة في فرنسا، بعد أن أثار اعتراضات واسعة من منظمات حقوقية اعتبرت أنه يمنح السلطات صلاحيات استثنائية قد تؤدي إلى تضييق غير مسبوق على المجتمع المدني والجمعيات، ولا سيما الإسلامية منها.
وتقول الحكومة الفرنسية إن الهدف من التشريع هو حماية مؤسسات الدولة من محاولات “التغلغل” أو “الاختراق” التي تقوم بها جماعات تسعى إلى التأثير على القرار العام أو نشر أفكار تعتبرها الجمهورية الفرنسية مناقضة لقيمها. إلا أن منتقدي المشروع يرون أنه يوسع مفهوم “التهديد” إلى درجة قد تشمل أنشطة مدنية وسياسية مشروعة.
امتداد لقانون “الانفصالية”
لا يأتي المشروع الجديد من فراغ، بل يمثل امتدادًا لقانون “تعزيز احترام مبادئ الجمهورية” الصادر عام 2021، والذي اشتهر إعلاميًا باسم “قانون الانفصالية”.
ذلك القانون منح الدولة أدوات رقابية أوسع على الجمعيات ودور العبادة والتمويل الخارجي، وأثار منذ إقراره انتقادات من منظمات حقوق الإنسان التي اعتبرت أن تطبيقه استهدف المسلمين بصورة أكبر من غيرهم.
أما المشروع الجديد فيسعى إلى توسيع هذه الصلاحيات، عبر منح وزارة الداخلية والسلطات المحلية إمكانات أكبر لحل الجمعيات، وتجميد أصولها، وفرض التزامات إضافية عليها، إذا اعتبرت أنها تشكل خطرًا على النظام الجمهوري.
أبرز بنود المشروع
وفق الخطوط العامة التي جرى الكشف عنها، يمنح المشروع الحكومة سلطات تشمل:
توسيع أسباب حل الجمعيات والمنظمات المدنية.
تجميد الأموال والأصول بصورة أسرع.
تشديد الرقابة على التمويل والأنشطة.
تعزيز الالتزام بما يعرف بـ”عقد الالتزام الجمهوري”.
منح المحافظين ووزارة الداخلية صلاحيات تنفيذية أوسع دون الحاجة إلى إجراءات قضائية طويلة.
وترى الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة التنظيمات التي تعمل بصورة غير مباشرة داخل المؤسسات العامة أو الجمعيات.
لماذا يثير كل هذا الجدل؟
الاعتراض الأساسي لا يتعلق فقط بمضمون المشروع، وإنما بطريقة صياغته.
فمنظمات حقوقية ترى أن مصطلحات مثل “التغلغل” أو “تقويض النظام العام” أو “الإضرار بقيم الجمهورية” تبقى عبارات فضفاضة يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، ما يمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة.
ويخشى المدافعون عن الحقوق المدنية أن يؤدي ذلك إلى استهداف جمعيات قانونية أو ناشطين بسبب مواقف سياسية أو دينية لا تتوافق مع توجهات الحكومة.
كما يحذر منتقدو المشروع من أن منح وزارة الداخلية صلاحية حل الجمعيات بقرار إداري قد يضعف الرقابة القضائية ويزيد من تدخل السلطة التنفيذية في العمل المدني.
موقف هيومن رايتس ووتش
اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن المشروع يمثل خطوة جديدة نحو تقييد الفضاء المدني في فرنسا.
وترى المنظمة أن القانون قد يؤدي إلى تقليص حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير، خصوصًا إذا استُخدمت الصلاحيات الجديدة ضد منظمات حقوقية أو جمعيات دينية أو خيرية.
ودعت المنظمة الحكومة الفرنسية إلى سحب المشروع، والعمل على حماية الحريات الأساسية بدلًا من توسيع أدوات الرقابة الإدارية.
رؤية الحكومة الفرنسية
في المقابل، تؤكد الحكومة أن المشروع لا يستهدف دينًا بعينه، وإنما يهدف إلى حماية الدولة من أي جماعات تحاول استخدام المؤسسات العامة لخدمة أجندات أيديولوجية.
ويرى مسؤولون فرنسيون أن التجارب السابقة، بما فيها الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير، أظهرت الحاجة إلى أدوات قانونية أكثر فعالية لمنع استغلال الجمعيات أو المؤسسات في نشر التطرف.
وتشدد باريس على أن القانون سيطبق على جميع الجهات دون تمييز، وأنه يخضع للمراجعة القانونية قبل عرضه على البرلمان.
آراء الخبراء
يرى أستاذ القانون الدستوري الفرنسي دومينيك روسو أن أي تشريع يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لحل الجمعيات يجب أن يكون مصحوبًا بضمانات قضائية قوية، لأن حرية التنظيم من الحقوق الأساسية في الديمقراطيات.
أما الباحث الفرنسي جيل كيبل، المتخصص في شؤون الإسلام في أوروبا، فيرى أن فرنسا تواجه تحديًا حقيقيًا في التصدي للتطرف، لكنه يحذر من أن التوسع في القيود القانونية قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا شعر جزء من المجتمع بأنه مستهدف جماعيًا.
من جانبه، يعتبر الباحث فرانسوا بورغا أن استخدام مصطلحات مثل “التغلغل الإسلامي” يحمل بعدًا سياسيًا أكثر منه قانونيًا، وقد يسهم في زيادة الاستقطاب داخل المجتمع الفرنسي.
انعكاسات على المسلمين في فرنسا
تضم فرنسا أكبر جالية مسلمة في أوروبا، ويخشى كثير من ممثلي الجمعيات الإسلامية أن يؤدي القانون إلى زيادة الضغوط على المؤسسات الدينية والثقافية والخيرية.
ويقول منتقدون إن التشريعات المتعاقبة منذ عام 2021 خلقت حالة من القلق لدى عدد من الجمعيات، بسبب الخوف من فقدان التمويل أو التعرض للحل الإداري.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن المسلمين ليسوا مستهدفين، وأن القانون يركز على السلوك المخالف للقانون وليس على الانتماء الديني.
ردود الفعل السياسية
أثار المشروع انقسامًا داخل الساحة السياسية الفرنسية.
فالأحزاب اليمينية تعتبر أن التشريع ضروري لحماية الجمهورية ومواجهة التطرف.
بينما ترى أحزاب اليسار والخضر أن المشروع قد يؤدي إلى تقليص الحقوق والحريات ويمنح السلطة التنفيذية أدوات غير متوازنة.
كما ينتظر أن يشهد البرلمان نقاشًا واسعًا حول حدود الصلاحيات التي يمنحها القانون لوزارة الداخلية.
التأثيرات المحتملة
إذا أُقر المشروع بصيغته الحالية، فقد يؤدي إلى:
تشديد الرقابة على عمل الجمعيات.
زيادة الطعون القضائية ضد قرارات الحل.
تصاعد الجدل الحقوقي داخل فرنسا.
توتر إضافي في علاقة الدولة ببعض مكونات المجتمع المدني.
استمرار الانتقادات الدولية لسجل الحريات المدنية.
وفي المقابل، ترى الحكومة أن المشروع سيمنحها أدوات أسرع لمنع أي محاولات لاختراق مؤسسات الدولة أو استغلالها.
من المستفيد؟
يرى مراقبون أن الحكومة الفرنسية قد تستفيد سياسيًا من المشروع عبر إظهار موقف حازم في ملفات الأمن والهجرة والتطرف، وهي قضايا تحظى باهتمام واسع لدى الناخب الفرنسي.
في المقابل، قد تستفيد الأحزاب اليمينية من استمرار الجدل حول هذه الملفات لتعزيز خطابها السياسي، بينما تجد منظمات حقوق الإنسان فرصة لتسليط الضوء على أوضاع الحريات المدنية في فرنسا.
يعكس مشروع قانون “التغلغل” استمرار التوازن الصعب بين متطلبات الأمن والحفاظ على الحقوق الأساسية. وبينما تؤكد الحكومة أن التشريع يستهدف حماية مؤسسات الدولة، ترى منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أن نجاح أي سياسة أمنية يجب ألا يكون على حساب حرية التنظيم والتعبير وسيادة القانون. ومن المرجح أن يستمر الجدل مع انتقال المشروع إلى مراحل النقاش البرلماني، حيث ستحدد الصيغة النهائية مدى اتساع الصلاحيات الممنوحة للدولة وحدود تأثيرها على المجتمع المدني.
