قاليباف وانتهاء عصر الضربات المتناسبة بين تغيير قواعد الاشتباك ورفع سقف التفاوض
مع اشتعال حرب الناقلات بين الطرفين
- abdelrahman
- 6 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- إيران, اخبار جريدة الرائد, الحرب مع امريكال, باقر قاليباف, تغيير قواعد الاشتباك, رئيس مجلس الشوري
الرائد : تبدو تصريحات رئيس مجلس الشوري الإيراني محمد باقر قاليباف بأن زمن “الردود المتناسبة” قد انتهى، وأن أي هجوم جديد سيقابل برد “أسرع وأثقل وأكثر إيلاماً”، مؤشراً مهماً على انتقال الصراع بين طهران وواشنطن إلى مرحلة أكثر خطورة.
التصريح جاء في وقت تتصاعد فيه المواجهة البحرية والاقتصادية، وبعد استهداف الولايات المتحدة ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بينما تواصل إيران تهديداتها بشأن الملاحة في مضيق هرمز.
فالمعنى الأساسي لرسالة قاليباف أن إيران لم تعد تريد التعامل مع الضربات الأمريكية وفق معادلة «ضربة مقابل ضربة» وبسقف محسوب، وإنما تريد رفع تكلفة أي تحرك أمريكي مقبل. وهذا لا يعني بالضرورة أن طهران قررت الذهاب فوراً إلى حرب شاملة، لكنه يعني أن قواعد الاشتباك أصبحت أكثر هشاشة، وأن هامش الخطأ في الحسابات بين الطرفين بات أضيق بكثير.
خلال الأشهر الماضية، حاولت واشنطن وطهران الحفاظ على نمط من المواجهة المحدودة؛ فالولايات المتحدة تضرب أهدافاً مرتبطة بإيران أو تضغط على صادراتها، بينما ترد طهران بطريقة تحاول إيصال رسالة عسكرية من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
مواجهة مفتوحة
لكن استهداف ناقلات النفط يمثل تطوراً نوعياً، لأنه ينقل المواجهة من الأهداف العسكرية المباشرة إلى شريان اقتصادي حيوي بالنسبة لإيران. وقد أعلنت الولايات المتحدة تعطيل ناقلتين وتدمير ثالثة، معتبرة أنها مرتبطة بشبكات تمويل للحرس الثوري.
وهنا تحديداً تبدو أهمية تصريحات قاليباف. فطهران تريد القول إن استمرار الضغط على قطاع النفط والملاحة لن يظل من دون رد، وإن المعركة الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى معركة أوسع على خطوط الملاحة والطاقة.
لكن المشكلة بالنسبة لإيران أن الورقة البحرية نفسها أصبحت سلاحاً ذا حدين. فإغلاق أو تعطيل حركة الملاحة في هرمز قد يضر بالولايات المتحدة وحلفائها، لكنه في الوقت ذاته يهدد قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحصار والعقوبات بدأا يضغطان بشدة على الاقتصاد الإيراني. فقد تراجعت عائدات النفط، وأصبح الوصول إلى العملات الأجنبية أكثر صعوبة، وظهرت ضغوط على واردات أساسية، فيما ترى تحليلات حديثة أن واشنطن تراهن على أن يكون الضغط الاقتصادي أكبر من قدرة إيران على تحمله.
انتهاء المسار الدبلوماسي
وهنا يطؤرح تساؤل نفسه هل انتهي المسار الدبلوماسي والإجابة الأقرب للواثع تبدو : لا، لكنها أصبحت أضعف وأكثر ارتباطاً بالتصعيد العسكري. فطهران لا تزال بحاجة إلى مخرج تفاوضي يسمح لها بتخفيف العقوبات والحصار من دون أن يبدو الأمر استسلاماً للضغوط الأمريكية. وفي المقابل، تحتاج واشنطن إلى اتفاق يضمن أمن الملاحة ويحد من قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط.
ولهذا فإن التصعيد العسكري قد يكون في جانب منه وسيلة لتحسين شروط التفاوض، وليس بديلاً نهائياً عن التفاوض. فكل طرف يحاول رفع تكلفة موقف الطرف الآخر قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
السؤال الأكثر حساسية هو: هل تفضل إيران مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة على استمرار المواجهات المحسوبة؟
الأرجح أنها لا تريد حرباً شاملة، لأن كلفة هذه الحرب ستكون هائلة على اقتصادها وبنيتها التحتية وقدرتها على تصدير النفط. لكن القيادة الإيرانية قد ترى أيضاً أن الاستمرار في تلقي ضربات محدودة من دون رد مؤلم سيؤدي إلى تآكل قدرتها على الردع.
ولذلك تبدو استراتيجية طهران أقرب إلى رفع مستوى الردع تدريجياً، مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً.
المشكلة أن هذه الاستراتيجية تحمل خطراً كبيراً: كلما ارتفع سقف الرد الإيراني، ارتفع احتمال أن تعتبر واشنطن أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، فترد بضربة أكبر. وهكذا يمكن أن يدخل الطرفان في دائرة تصعيد لا يريدها أي منهما في الأساس
حرب الناقلات
كما أن حرب الناقلات تزيد صعوبة العودة إلى الهدوء. فالولايات المتحدة تريد ضمان استمرار الملاحة ومنع إيران من استخدام صادرات النفط وتمويل الحرس الثوري كورقة ضغط، بينما تعتبر طهران استهداف سفنها محاولة لخنقها اقتصادياً. ومع استمرار الحصار، يصبح الاقتصاد الإيراني عاملاً ضاغطاً على صانع القرار، لكنه قد يدفع أيضاً إلى تشديد الموقف بدلاً من التراجع، خصوصاً إذا اعتبرت القيادة أن تقديم تنازلات تحت الضغط سيشجع واشنطن على رفع مطالبها.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيجاً من التصعيد والتفاوض: ضربات محدودة ولكن أكثر قسوة، تهديدات متبادلة، ضغوط على الملاحة والنفط، وفي الوقت نفسه اتصالات غير مباشرة للبحث عن مخرج. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على وجود مساعٍ دبلوماسية مرتبطة بإعادة فتح مسار الملاحة في هرمز.
ومن المهم هنا الإشارة أن تصريحات قاليباف، لا تعني أن إيران اختارت الحرب الشاملة، بقدر ما تعني أنها قررت رفع ثمن استمرار الحرب المحدودة. أما واشنطن، فمن المرجح أن تختبر إلى أي مدى تستطيع طهران تحمل الحصار قبل تقديم تنازلات.
لذا تبدو المعركة الحالية ليست فقط حول من يوجه الضربة الأقوى، وإنما حول من يستطيع تحمل الضغط لفترة أطول. إيران تراهن على الوقت والقدرة على الصمود والضغط عبر هرمز،
بينما تراهن الولايات المتحدة على العقوبات والحصار لإجبار طهران على العودة إلى التفاوض من موقع أضعف. وبين الرهانين، تبقى الدبلوماسية موجودة، لكنها تتحرك الآن تحت ظل التصعيد العسكري، الأمر الذي يجعل أي حادث جديد قادراً على تغيير مسار الأزمة بأكملها.