في مطار اسطنبول بين جنسيتين – تجربة شخصية

محمد الخامري يكتب

أثناء عودتي الطارئة من القاهرة إلى بلجيكا لم اجد غير رحلة ترانزيت إسطنبول، وعندما وصلت إسطنبول فوجئت وانا اتجه لصالة الترانزيت بموظف جلف جدا طلب جوازي وتذكرة السفر، اعطيته جوازي اليمني (الذي اتنقل غالبا فيه) واريته التذكرة الاليكترونية على هاتفي فكان يتحدث باللغة التركية بسرعة عجيبة ووجهه متجهم ومُعظوَط وزمباوي وكأنه قرفان مني جدا..

📌 من الطاف الله الجميلة ان الترانزيت كان 4 ساعات، يعني ماكنت قلق على فوات الرحلة الاخرى الى بروكسل، وكنت أحاول ان اكون هادئ.. حاولتُ ان اتكلم معه بالانجليزي لكنه رفض أي حوار، وجوازي وهاتفي بيده ويشير لي بالخروج من المطار..
كنت احاول ان اوصل له اني ترانزيت ومغادر الى بلجيكا لكنه كان يرفع صوته ويزيد غضبه وتعابير وجهه تزداد قساوة اكثر واكثر، ويرفض اي نقاش حتى جاء احد الاخوة السوريين المقيمين في تركيا وتطوع بالتفاهم معه باللغة التركية، وأخبرني ان تذكرتي (نقل ذاتي) وليست ترانزيت متواصلة ويجب عليّ ان اذهب للجوازات لختم دخول تركيا وبعدها اعود من بوابة المغادرين وادخل للصالة الخاصة برحلتي التالية..

📌 فهمتُ الموضوع رغم عدم اقتناعي به لاني لم انتبه ان التذكرة (نقل ذاتي) وطلبتُ جوازي وهاتفي الذي كان يحتفظ بهما لكنه رفض وأصر ان يذهب بي هو الى كاونتر الامن والجوازات.. رفعت صوتي وقلت له لم ارتكب خطأ او جريمة تجعله يرافقني امام الناس كمجرم تم القبض عليه، وهو اصر واتصل بزملائه من موظفي المطار، وجاء 3 منهم وكانوا يريدون اخذي بالقوة وكأني مجرم ولست مسافر عادي، استمريت في الرفض وعلت اصواتنا جميعا خصوصا مع محاولة احدهم ان يمسك يدي، وهنا تركنا الاخ السوري وذهب لحال سبيله، ربما خوفا من تصاعد الامر وتأثيره عليه لانه عربي ويعيش في تركيا، وفي هذه اللحظات كان هناك تجمع كبير من الموظفين والفضوليين..!!

📌 اتصل الموظف عبر جهازه الخاص، وفجأة جاء اثنين شرطة احدهما ضابط وبدأ يشرح له باللغة التركية وبانفعال وانزعاج ويشير الي بطريقة مريبة، سألت الضابط هل ممكن اتكلم بالانجليزي رد علي بلغة الجليزية. واضحة؛ نحن في تركيا مش في بريطانيا (We are in Turkey not in Britain) قلت له انت تعرف انجليزي واريد ان اشرح لك الامر فقط، الا انه اصر بطريقة عجيبة ومقززة واخذ جوازي وهاتفي من الموظف وطلب مني مرافقته مع اشارة تهديد باصبعه السبابة، وهنا اصبحت محاط بخمسة موظفين تقريبا ومثلهم شرطة توافدوا اثناء المشادة، فقررت الاستسلام كي لايتطور الامر ويطول الوقت وتفوتني الرحلة..

📌 قلت له لحظة (OK just a moment) وفتحت الشنطة وأخرجت جوازي البلجيكي واعطيته للضابط وطلبت الجواز اليمني على اعتبار اني لن استطيع ختم دخول تركيا بالجواز اليمني، لكن الأمر كان أشبه بالسحر..
في هذه اللحظة تحول الموقف 180 درجة، الجميع ابتسم، ووجه الموظف انفرد، والضابط تحدث بالانجليزية واعتذر عن الموقف، وحرفيا كأننا فجأة انتقلنا من مشهد أبيض واسود الى مشهد ملون جميل، تغير هواء المطار وحركة الناس، الضابط الغاضب اصبح شخصٍ لبق، والموظف المتشنج تحول إلى خادم مطيع، وألقوا باللوم عليّ بوقاحة لأنني لم أخبرهم بجنسيتي البلجيكية، وكأنني أملك حق الاحترام فقط حين أتنكر لأصلي، وبينما كنت احس اني في اي لحظة ممكن اتعرض لاعتداء بالصاعق الذي بيد الموظف او بالعصا التي بيد الضابط، فجأة احسست اني شخصيّة مهمة وهم يبتسمون لي ويعتذرون بالانجليزية التي كانوا يرفضون الحديث بها..!!

📌 اشاروا اليّ بلطف نحو الكاونتر وسلموني الجواز والهاتف بكل ذوق وادب.. ذهبت وانهيت الاجراءات بكل يسر وسهولة بسبب الجواز البلجيكي.. شعرتُ بمرارة الغصة في حلقي، وبحجم الإهانة التي يعاني منها كل يمنيٍ يجوب مطارات العالم، حيث نُعامل كمتهمين افتراضيين، وتُصادر كرامتنا قبل أوراقنا، وكأن الانتماء لهذا الوطن بات تهمةً تستوجب الاعتقال..!!
بكيتُ في داخلي حرقةً على هذا التناقض؛ كيف يمكن لجواز سفر أن يمنحك صكوك الغفران ويحولك من مجرمٍ في نظرهم إلى مسافر محترم، بينما يظل الجواز اليمني رغم كونه وثيقة انتماء؛ باب مشرع للذل والهوان في كل بقاع الأرض..؟

📌 أدركتُ حينها ولابد ان ندرك جميعا أن أزمتنا ليست في مطارات العالم، بل في دولتنا التي ضاعت، وفي الحرب التي دمرتنا ومزقت هويتنا وجعلتنا غرباء ومطاردين في أوطان الآخرين..
كفانا وجع، وكفانا إهانة نجرّها خلفنا في حقائب سفرنا؛ إننا لانطلب المستحيل، بل نصرخ لنستعيد دولةً تحفظ لنا آدميتنا، ونطالب بإنهاء هذا العبث لنعود بشر أسوياء، نتعامل مع العالم بنديّة واحترام، لا بانكسار ينهش أرواحنا، نريد وطن يليق بنا، كي لانضطر يوما للاعتذار عن كوننا يمنيين، وكي لاننتظر وثيقة أخرى لنسعفنا وتستعيد حقنا في الكرامة..

اترك تعليقا