في اقبية التعذيب
د محمد علي يوسف يكتب
- dr-naga
- 17 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- اقبية التعذيب, التعذيب, السجانون, السجين, العذاب, د محمد علي يوسف
في أقبية التعذيب القديمة، ابتكر السجانون طوقاً معدنياً بالغ القسوة يُثبت حول عنق الضحية.
لم تكن وظيفته الخنق المباشر..فقط كان يجبر السجين على إبقاء رأسه مرفوعاً بصورة دائمة فإذا غلبه الإرهاق وحاول خفض ذقنه ليريح رقبته، تنغرس المسامير في حنجرته.
هذه الوضعية المشلولة تجبره على التحديق في السقف عاجزاً تماماً عن رؤية موضع قدميه، فيتعثر ويسقط مع كل خطوة وهو يظن أنه يسير في أرض مستوية.
هذا العذاب الجسدي، هو التجسيد الدقيق لأبشع حالة شلل روحي وعقلي ذكرت في كتاب الله في مفتتح سورة يس:
﴿إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَـٰقِهِمۡ أَغۡلَـٰلࣰا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ﴾
القيود هنا ليست فقط عذابا أخرويا
قيل أنها تعبير عن كونهم عاجزين عن الحق كالمغلول الذي لا يستطيع تحريك يده أو رأسه أو لأنهم كانوا دوما مستكبرين ومعاندين فرفع الرأس (الإقماح) يرمز إلى استكبارهم عن اتباع الهدى، فهم لا يرون الحق ولا ينحنون له.
والأغلال ليست دوما من حديد
كثيرا ما تكون من تراكمات الغفلة المتوارثة والكبر الأجوف.
حين يتشرب المرء “غفلة الآباء” ويقدس العادة دون تفكير، تتشكل حول عنقه أغلال غير مرئية تدفع ذقنه إلى الأعلى ويطوي صدره على استعلاء كاذب يمنعه من خفض رأسه تواضعاً للحق..
يشمخ بأنفه كبراً، وفي تلك اللحظة بالذات.. يفقد القدرة على رؤية الهاوية التي تكاد تبتلعه .
ولأن العمى الإرادي يولد مزيداً من العمى الجبري فتكتمل الكارثة بمزيد من الإغلاق..
﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَـٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ﴾
كأنهم محاصرون في زنزانة محكمة.. .
سدٌ من الخلف يحجب عنهم الاعتبار بدروس التاريخ وعثرات من سبقهم، وسدٌ من الأمام يعمي بصيرتهم عن إدراك العواقب ورؤية مآلات أفعالهم فتنقطع صلتهم بالزمن، وينفصلوا عن حركة الوجود وتصير أعينهم المفتوحة على اتساعها مجرد عدسات معطلة لا تنقل نوراً ولا تستوعب إنذاراً.
وفي هذه المرحلة المتقدمة من التحجر، تسقط كل محاولات الإنقاذ الخارجي..
﴿وَسَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾
الأمر لم يعد متعلقاً بقوة الحجة أو بلاغة المنذر.
لقد استقر العطب في جهاز الاستقبال نفسه حين اختاروا الغرور فدُفعت رؤوسهم إلى الأعلى إجباراً، واختاروا غفلة الأمس فحُجب عنهم نور الغد.
وكذلك حال كل من يصر على إغلاق عينيه بخليط الكبر والجهل، لن تنفعه كل شموس الكون ولو أشرقت دفعة واحدة.