فيزا وماستر كارد..حين تتحول بطاقات الدفع إلى سلاح جيوسياسي
تحذيرات أوروبية من هيمنة شبكات المدفوعات الأمريكية بعد التجربة الروسية
- معاذ الجمال
- 19 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أوروبا, إدارة ترامب, الاتحاد الأوروبي, الاقتصاد العالمي, الذكاء الاصطناعي
لم تعد الحروب تُخاض بالصواريخ والدبابات وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر مفاتيح رقمية قادرة على إيقاف اقتصاد دولة كاملة بضغطة زر.. فـ”بطاقة الائتمان” التي يستخدمها ملايين الأشخاص يوميًا لشراء احتياجاتهم، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر أدوات النفوذ الجيوسياسي في العالم، وبينما اعتقدت الدول أن العولمة المالية جعلت شبكات المدفوعات وسيلة محايدة لتسهيل التجارة، كشفت العقوبات الغربية على “روسيا”، أن هذه الشبكات يمكن أن تصبح سلاحًا اقتصاديًا بالغ التأثير.
واليوم، لم يعد القلق مقتصرًا على الدول المنافسة لـ”الولايات المتحدة”، بل امتد إلى “أوروبا” نفسها، التي بدأت تتساءل: ماذا لو أصبحت البنية التحتية المالية التي يعتمد عليها اقتصادها ورقة ضغط سياسية في أي أزمة مستقبلية؟ هذا السؤال بات يقود واحدة من أكبر معارك “السيادة الاقتصادية” في القرن الحادي والعشرين.
الهيمنة الأمريكية.. قوة مالية تتجاوز حدود الاقتصاد..
منذ نهاية الحرب الباردة، وإعلان حل “الاتحاد السوفيتي” رسميًا عام 1991، نجحت “الولايات المتحدة” في بناء منظومة مالية عالمية لا تقتصر على الدولار أو النظام المصرفي، بل تمتد إلى شبكات المدفوعات الإلكترونية التي أصبحت العمود الفقري للتجارة الحديثة، حيث تصدرت شركتا “فيزا” و”ماستر كارد” هذه المنظومة، إذ تسيطران على نحو (90%) من سوق بطاقات المدفوعات العالمي خارج نطاق “الصين”، وهو نفوذ يمنحهما دورًا يتجاوز مجرد معالجة عمليات الشراء والسحب النقدي.
ورغم أن البطاقات تحمل أسماء بنوك محلية في مختلف دول العالم، فإن جزءًا كبيرًا من عملياتها يعتمد على بنية تحتية وشبكات تشغيل تديرها الشركتان الأمريكيتان، وهو ما يمنحهما – عند الضرورة – القدرة على تعليق أو وقف الخدمات تنفيذًا للعقوبات الأمريكية أو القرارات التنظيمية.
ولم يكن هذا النفوذ وليد السنوات الأخيرة، بل يعود إلى عقود مضت، ففي “عام 1988” دخلت شبكات الدفع الأمريكية إلى “الاتحاد السوفيتي”، ثم أصبحت متاحة للمواطنين بصورة أوسع مع “بداية التسعينيات”، ويرى الاقتصادي والمسؤول السابق بـ”وزارة الخزانة الأمريكية” (آرون كلاين)، أن دمج الدول المنافسة داخل (النظام المالي العالمي) لم يكن مجرد توسع تجاري، بل جزءًا من استراتيجية تمنح “واشنطن” أدوات إضافية للتأثير الاقتصادي والسياسي عند الحاجة.
هذا النفوذ ظل نظريًا لسنوات طويلة، إلى أن جاءت “الحرب الروسية الأوكرانية” لتكشف حجمه الحقيقي، ففي (مارس 2022)، وبعد تصاعد العقوبات الغربية، أعلنت “فيزا” و”ماستر كارد” تعليق عملياتهما في “روسيا”، فتوقفت البطاقات الصادرة من البنوك الروسية عن العمل خارج البلاد، كما توقفت البطاقات الأجنبية داخل “روسيا”، الأمر الذي أربك عشرات الآلاف من المواطنين الروس، خصوصًا الموجودين في الخارج.
لكن “موسكو” تمكنت من الحد من آثار القرار داخل أراضيها بفضل استعداد بدأ منذ “عام 2014” عقب ضم “شبه جزيرة القرم”، عندما أنشأت “النظام الوطني لبطاقات الدفع” (NSPK)، وألزمت الشركات الأجنبية بمعالجة العمليات المحلية داخل “روسيا”، لذلك استمرت معظم المدفوعات الداخلية بصورة طبيعية، بينما بقيت المشكلة الأساسية في المعاملات الدولية.
هذه التجربة لم تُنظر إليها باعتبارها مجرد عقوبة اقتصادية ضد “روسيا”، بل باعتبارها دليلًا عمليًا على أن شبكات المدفوعات أصبحت عنصرًا من عناصر القوة الجيوسياسية، وأن الدول التي تعتمد بالكامل على بنية تحتية أجنبية قد تجد نفسها معرضة لضغوط اقتصادية مفاجئة إذا تغيرت الظروف السياسية.
بعد درس روسيا.. أوروبا تبحث عن البديل..
رغم أن “الاتحاد الأوروبي” يعد أحد أقرب الحلفاء لـ”الولايات المتحدة”، فإن “الحرب الروسية الأوكرانية” دفعت المسؤولين الأوروبيين إلى إعادة تقييم مفهوم “السيادة المالية”، فالمخاوف لم تعد مرتبطة فقط بالعلاقات الحالية مع “واشنطن”، وإنما بإمكانية تغير السياسات الأمريكية مستقبلًا، خصوصًا مع تصاعد النزعة الاقتصادية الحمائية وعودة “دونالد ترامب” إلى “البيت الأبيض”.
وفي هذا السياق، أثارت رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، “أورولا لوك”، جدلًا واسعًا عندما انتقدت في “يناير 2026” تجاهل “المفوضية الأوروبية” لمخاطر الاعتماد شبه الكامل على “شبكات الدفع الأمريكية”، واعتبرت أن “أوروبا” تمتلك نقاط ضعف استراتيجية في قطاع المدفوعات، محذرة من أن “الولايات المتحدة” قادرة – نظريًا – على حرمان الأوروبيين من هذه الخدمات إذا اندلعت أزمة سياسية كبرى.
ودعت “لوك” إلى إنشاء شبكة مدفوعات أوروبية مستقلة، وشبّهت المشروع المقترح بتجربة شركة “إيرباص”، التي أُنشئت أصلًا لتوفير “بديل أوروبي” قادر على منافسة الهيمنة الأمريكية في “صناعة الطيران المدني”، وبرأيها.. فإن امتلاك بنية تحتية أوروبية للمدفوعات لا يتعلق فقط بالاقتصاد، بل يمثل ركيزة لحماية الديمقراطية والسيادة السياسية.
ولم تكن هذه المخاوف فردية، إذ انضم إليها عدد من كبار المسؤولين الأوروبيين، من بينهم كبير الاقتصاديين في “البنك المركزي الأوروبي” (فيليب لين)، الذي أكد أن الاعتماد على شركات أجنبية في تنفيذ المدفوعات يمثل ثغرة استراتيجية ينبغي معالجتها، خصوصًا في عالم تتزايد فيه العقوبات الاقتصادية واستخدام الأدوات المالية لتحقيق أهداف سياسية.
كما عززت دراسة أوروبية صدرت (أواخر عام 2025) هذه الرؤية، معتبرة أن البنية التحتية للمدفوعات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن (تجربة روسيا)، أثبتت أن شبكات الدفع لم تعد مجرد خدمات تجارية، بل أدوات نفوذ يمكن استخدامها في الصراعات الدولية، وتشير هذه التطورات إلى تحول واضح في التفكير الأوروبي، فمن التركيز التقليدي على حرية الأسواق والمنافسة، إلى إعطاء أولوية متزايدة لمفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، وهو المفهوم الذي أصبح يشمل “الطاقة”، و”أشباه الموصلات”، و”الذكاء الاصطناعي”، وصولًا إلى “المدفوعات الرقمية”.
اليورو الرقمي..هل يكسر الاحتكار العالمي؟
في مواجهة هذه التحديات، يبرز مشروع “اليورو الرقمي” باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يعمل عليها “البنك المركزي الأوروبي”، ويختلف هذا المشروع عن العملات المشفرة التقليدية، إذ يمثل نسخة رقمية رسمية من العملة الأوروبية تصدر مباشرة عن “البنك المركزي”، بما يسمح بتنفيذ المدفوعات إلكترونيًا تحت إشراف المؤسسات الأوروبية دون الاعتماد على شبكات أجنبية.
ويهدف المشروع إلى “تعزيز السيادة النقدية الأوروبية”، و”توفير وسيلة دفع رقمية آمنة وموحدة”، و”تقليل الاعتماد على الوسطاء الدوليين”، بما في ذلك “شبكات البطاقات الأمريكية”، كما يُنظر إليه باعتباره خطوة لحماية “الاقتصاد الأوروبي” من أي ضغوط خارجية محتملة، مع دعم الابتكار المالي داخل الاتحاد، وفي “يوليو 2026″، أعلن “البنك المركزي الأوروبي” اختيار (36 جهة) للمشاركة في المرحلة التجريبية لـ”اليورو الرقمي”، على أن تستمر الاختبارات خلال السنوات المقبلة تمهيدًا لإطلاق العملة رسميًا بحلول (عام 2029) إذا اكتملت الأطر التشريعية اللازمة.
ورغم ذلك، فإن الطريق نحو كسر هيمنة “فيزا” و”ماستر كارد” لا يزال طويلًا، فالشركتان تمتلكان شبكة قبول عالمية تغطي ملايين المتاجر والمؤسسات المالية، إلى جانب خبرة تشغيلية تراكمت على مدى عقود، وهو ما يجعل بناء بديل أوروبي أو عالمي عملية معقدة تتطلب استثمارات ضخمة وتعاونًا واسعًا بين الحكومات والقطاع الخاص.
وفي المقابل، تواصل “الصين” توسيع انتشار شبكة “يونيون باي”، التي أصبحت تهيمن على السوق المحلية الصينية وتسعى تدريجيًا إلى زيادة حضورها الدولي، مستفيدة من حجم “الاقتصاد الصيني” واتساع علاقاته التجارية، إلا أن انتشارها (خارج آسيا)، لا يزال محدودًا مقارنة بالحضور العالمي الواسع لشبكتي “فيزا” و”ماستر كارد”.
وعلى هذا الأساس، فإن معركة أنظمة المدفوعات تكشف أن “الاقتصاد العالمي” يدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها البنية التحتية المالية مجرد خدمات تقنية، بل أصبحت جزءًا من معادلة القوة والنفوذ بين الدول، وبينما تسعى “أوروبا” إلى بناء استقلالها المالي عبر “اليورو الرقمي” و”مشروعات الدفع المحلية”، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشهد العالم خلال العقد المقبل نهاية “الاحتكار الأمريكي لشبكات المدفوعات”، أم أن التفوق الذي بُني على مدار عقود، سيبقى أحد أكثر مظاهر الهيمنة الاقتصادية رسوخًا.
