توحيد المواصفات..ركيزة لتعزيز التجارة الإسلامية المتكاملة
تقارب المعايير الفنية يفتح آفاقًا أوسع للتبادل التجاري
- معاذ الجمال
- 19 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أخبار الرائد, اقتصاد, الاقتصاد العالمي
لم تعد المواصفات القياسية والاعتماد والجودة مجرد متطلبات فنية لتنظيم الإنتاج، بل أصبحت من أهم ركائز التجارة الدولية الحديثة، إذ تحدد قدرة المنتجات على النفاذ إلى الأسواق وتعزز ثقة المستهلكين والمستوردين بها، فحتى المنتجات عالية الجودة قد تواجه صعوبات في التصدير إذا لم تستوفِ الاشتراطات الفنية المعمول بها في الأسواق المستهدفة، ومن هذا المنطلق، يمثل توحيد المواصفات القياسية بين الدول العربية والإسلامية أحد المسارات العملية لتعزيز التكامل الاقتصادي، وخفض العوائق غير الجمركية، ورفع تنافسية الصناعات الوطنية، بما يواكب التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
المواصفات..بوابة التجارة وتعزيز التنافسية..
تؤكد “المنظمة الدولية للمعايير” (ISO)، أن المعايير الدولية تسهم في إزالة العوائق الفنية أمام التجارة، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وتعزيز الابتكار ورفع الكفاءة، بينما تشير “منظمة التجارة العالمية”، إلى أن استخدام المعايير الدولية والالتزام باتفاقية “العوائق الفنية أمام التجارة”، يسهمان في تقليل القيود غير الضرورية على التجارة، مع الحفاظ على متطلبات السلامة والصحة والبيئة.
تاريخيًا.. أولت “الحضارة الإسلامية” اهتمامًا بالغًا بتوحيد المكاييل والموازين وإرساء العدالة في المعاملات التجارية، وكان المحتسب يتولى مراقبة الأسواق، والتحقق من دقة الموازين، ومنع الغش، والإشراف على جودة السلع، وهو ما أسهم في ترسيخ الثقة بين التجار والمستهلكين وازدهار النشاط التجاري في مختلف الحواضر الإسلامية.
كما يرى الخبير الاقتصادي الأمريكي “مايكل بورتر” أن القدرة التنافسية للدول لا تعتمد على انخفاض التكاليف فقط، بل ترتبط أيضًا بالإنتاجية والابتكار ورفع جودة المنتجات والالتزام بالمعايير، وهي عوامل تعزز فرص النفاذ إلى الأسواق العالمية وجذب الاستثمارات.
التكامل الفني بين الدول الإسلامية..
شهدت العديد من الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الأخيرة تطويرًا في (منظومات التقييس والاعتماد والبنية التحتية للجودة)، فيما يعمل “معهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية”، التابع لـ”منظمة التعاون الإسلامي”، على إعداد وتطوير مواصفات قياسية مشتركة، إضافة إلى تنسيق أنشطة التقييس والاعتماد والمطابقة بين الدول الأعضاء، بما يسهم في تسهيل التبادل التجاري وتعزيز التعاون الاقتصادي.
ومن أهم الخطوات التي يمكن أن تدعم هذا المسار توسيع نطاق الاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة والاعتماد ونتائج الاختبارات، بحيث تُقبل الشهادات الصادرة من الجهات المعتمدة في دولة عضو داخل دولة أخرى، وفق الاتفاقيات والضوابط المعتمدة، وهو ما يقلل الحاجة إلى تكرار الاختبارات والفحوص، ويخفض الوقت والتكلفة، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد.
كما يمثل إنشاء (مختبرات مرجعية إقليمية)، و(تبادل الخبرات الفنية بين هيئات التقييس والاعتماد)، و(تطوير برامج تدريب مشتركة للمفتشين والمهندسين وخبراء الجودة)، أحد أهم أدوات رفع الكفاءة الفنية وتعزيز الثقة في المنتجات العربية والإسلامية، وتؤكد “منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية”، أن البنية التحتية للجودة، التي تشمل التقييس والقياس والاعتماد واختبار المنتجات، تُعد عنصرًا أساسيًا لدعم التنمية الصناعية، وزيادة القدرة التنافسية، وتعزيز الصادرات.
فرص واعدة وتحديات قائمة..
اقتصاديًا، يسهم توحيد المواصفات القياسية في تقليل (تكاليف الامتثال الفني أمام الشركات)، و(تشجيع الاستثمار الصناعي)، و(تسهيل اندماج المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية)، كما يعزز قدرة المنتجات المحلية على المنافسة في الأسواق الخارجية، وتبرز قطاعات (الصناعات الغذائية)، و(المنتجات الدوائية)، و(مواد البناء)، و(الأجهزة الكهربائية)، و(المنتجات الهندسية)، بين أكثر القطاعات استفادة من توحيد المعايير الفنية، لما لذلك من أثر في رفع مستويات السلامة والجودة، وتيسير حركة التجارة، وزيادة فرص التصدير.
ورغم هذه الفرص، لا تزال هناك تحديات تتعلق بتباين بعض التشريعات الوطنية، واختلاف مستويات البنية التحتية للجودة والقدرات الفنية للمختبرات، والحاجة إلى تحديث المواصفات بصورة مستمرة لمواكبة التطورات التكنولوجية، فضلًا عن أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص في إعداد المواصفات وتطبيقها.
كما يتوقع خبراء التجارة الدولية أن يتزايد الاهتمام خلال السنوات المقبلة بالمعايير المرتبطة بالاستدامة، والاقتصاد الدائري، وخفض الانبعاثات الكربونية، والتحول الرقمي، وسلاسل الإمداد الذكية، وهو ما يستدعي مواصلة تطوير أنظمة التقييس في الدول العربية والإسلامية بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية.
