“فنزويلا” بين التأميم والعدالة الاقتصادية

الثروة العامة في مفترق طرق

تفتح التحركات الاقتصادية والسياسية الجديدة في “فنزويلا” الباب أمام مراجعة واحدة من أبرز سياسات عهد الرئيس الراحل “هوغو تشافيز” بعدما اقتربت الحكومة المؤقتة من تحديد الأصول العامة التي يمكن نقلها إلى القطاع الخاص أو إعادتها إلى ملاكها السابقين.

وبينما تراهن “ديلسي رودريغيز” على جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط الاقتصاد، تتصاعد التساؤلات بشأن مصير الثروة العامة، ومدى قدرة الإصلاحات على تحقيق العدالة الاقتصادية دون إعادة إنتاج الاحتكار والفساد، أو تجاوز مطالب الانتقال الديمقراطي.

وقالت “رودريغيز”، الخميس 29 أكتوبر 2026، إن عملية حصر وتقييم الأصول غير الضرورية للدولة قطعت شوطاً متقدماً، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً عن سياسة التأميم الواسعة التي انتهجها “تشافيز”، وشملت قطاعات استراتيجية في الطاقة والتعدين والكهرباء.

مراجعة التأميم.. فرصة أم تفريط في الثروة؟..

تأتي الخطوة ضمن مساعٍ أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد الفنزويلي، إذ أوضحت “رودريغيز” أن 44 عقداً في قطاع الطاقة تخضع للمفاوضات بموجب قانون النفط الجديد الذي أُقر في يناير 2026، فيما تحدثت الحكومة عن توقيع 61 اتفاقاً نفطياً دون الكشف عن تفاصيل كافية بشأن الشركات المستفيدة أو الشروط المالية.

وتمتد المفاوضات كذلك إلى قطاعات الذهب والألومنيوم والحديد، بما يعكس رغبة الحكومة في توسيع دائرة الاستثمارات الأجنبية والخاصة.

وتعول السلطات على أن تسهم إعادة تشغيل المنشآت المتعثرة واستقطاب رؤوس الأموال والخبرات الفنية في زيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين الإيرادات العامة، خصوصاً أن سنوات التأميم والإدارة الحكومية تركت أصولاً تعاني تراجع الكفاءة وضعف الاستثمارات.

كما يمكن أن تمثل إعادة بعض الممتلكات إلى أصحابها السابقين مدخلاً لتسوية نزاعات قانونية واقتصادية تراكمت خلال العقود الماضية.

لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على طبيعة تنفيذها، وليس مجرد إعلان نقل الملكية. فقد خلفت عمليات التأميم في عهد “تشافيز” أكثر من اثنتي عشرة مطالبة تحكيم دولية، لا يزال معظمها دون تسوية، وفقاً لـ”رويترز”.

ومن ثم فإن إعادة الأصول إلى ملاكها السابقين تتطلب مراجعة قانونية لكل حالة، وتحديد الالتزامات والتعويضات المتبادلة، بدلاً من اتخاذ قرارات عامة قد تفتح الباب أمام نزاعات جديدة.

وتبرز هنا مخاطر بيع الممتلكات العامة بأقل من قيمتها الحقيقية، أو منحها لمستثمرين بعينهم بعيداً عن المنافسة.

فغياب قوائم معلنة بالأصول المعروضة، وتقييمات مستقلة، ومناقصات مفتوحة، قد يحول الإصلاح الاقتصادي إلى عملية لإعادة توزيع الثروة لمصلحة أطراف محدودة، بدلاً من تحسين كفاءة الاقتصاد وتعزيز موارده.

ولذلك فإن الشفافية في تحديد المستفيدين وشروط التعاقد وحصة الدولة من العوائد تمثل شرطاً أساسياً لنجاح التحول.

وتتضح حساسية الملف في الاتفاق النفطي الذي يضم شركة “نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز” (NABEP)، بقيادة رجل الأعمال الفنزويلي “أليخاندرو بيتانكورت”، والذي أثار انتقادات من “ماتشادو” بسبب عدم وضوح شروطه.

وكان “بيتانكورت” قد خضع لتحقيقات في الولايات المتحدة ودول أخرى بشأن شبهات تتعلق بغسل الأموال، من دون توجيه اتهامات جنائية إليه.

وأشارت “رويترز” في 30 أكتوبر إلى أن الشركة تواجه تحديات تشغيلية وتمويلية، رغم إعلانها استثمارات كبيرة وخططاً لزيادة إنتاج النفط.

وهو ما يجعل نشر تفاصيل الاتفاق ومصالح الأطراف المشاركة فيه ضرورة لضمان عدم تحول الاستثمارات إلى ترتيبات تحقق مكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة.

صراع الاقتصاد والانتقال الديمقراطي..

تزامنت التحركات الاقتصادية مع عودة زعيمة المعارضة “ماريا كورينا ماتشادو” إلى “فنزويلا” في 25 أكتوبر، بعد نحو عشرة أشهر قضتها خارج البلاد، وظهورها الإعلامي الأول في “كراكاس” الخميس 29 أكتوبر.

وجددت “ماتشادو” مطالبتها بإجراء انتخابات رئاسية حرة، معتبرة أن الانتقال الديمقراطي بات مساراً لا رجعة فيه، فيما أبدت تأييدها لإجراء إصلاحات في المؤسسات القضائية والانتخابية، لكنها شددت على ضرورة تحديد موعد واضح للاقتراع.

وتتركز الخلافات حول خارطة الطريق التي تدعمها “واشنطن”، والتي تتضمن إعادة هيكلة المحكمة العليا والهيئة الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية قد تُنظم في 2027.

وبينما ترى الإدارة الأميركية أن إصلاح المؤسسات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي يمثلان مدخلاً ضرورياً للانتقال السياسي، تطالب المعارضة بعدم استخدام هذه المراحل ذريعة لتأجيل الانتخابات أو إبقاء السلطة التنفيذية دون تفويض انتخابي جديد.

وأثارت “ماتشادو” كذلك تساؤلات بشأن الشفافية في الاتفاق النفطي المرتبط بـ”بيتانكورت”، مؤكدة أن المعارضة لا ترفض الاستثمارات، وإنما تطالب بمعرفة طبيعة الشراكات والجهات المستفيدة وشروطها.

وتكتسب هذه الانتقادات أهمية في ظل الدور المتنامي لـ”واشنطن” في إدارة الملفات الاقتصادية الفنزويلية، ولا سيما قطاع النفط، إذ باتت المصالح الأميركية جزءاً مؤثراً في صياغة التفاهمات مع حكومة “رودريغيز”.

وفي المقابل، تواجه ماتشادو تحدياً يتجاوز استعادة حضورها الشعبي؛ يتمثل في تحويل التأييد السياسي إلى قوة تفاوضية قادرة على التأثير في مسار الانتقال.

ووفقاً لتحليل نشرته “واشنطن” بوست في 29 أكتوبر، فإن عودتها قد تعيد تنشيط المعارضة وتزيد الضغط من أجل الانتخابات، لكنها تضعها أيضاً أمام اختبار التعامل مع مفاوضات تقودها واشنطن والحكومة المؤقتة دون مشاركتها المباشرة.

كما تبرز الحاجة إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، بدلاً من اختزال التغيير السياسي في شخصية واحدة أو استبدال مركزية السلطة القائمة بمركزية جديدة.

الوعود الاجتماعية أمام اختبار التنفيذ..

على الصعيد المعيشي، أعلنت “رودريغيز” خطة لإجراء أربع زيادات في دخول العاملين خلال عام 2027، بواقع زيادة كل ثلاثة أشهر، على أن ترتبط الزيادات بالأداء الاقتصادي.

ورغم أهمية التعهد، فإنه لم يتضمن تحديداً مسبقاً للقيم أو النسب، ما يجعل أثره الفعلي على الأسر الفنزويلية رهناً بمعدلات التضخم وتطور الإنتاج ومستوى القوة الشرائية.

فالمعيار الحقيقي لتحسن الأوضاع الاجتماعية لا يتمثل في عدد الزيادات المعلنة، وإنما في قدرتها على تحسين مستوى المعيشة وتغطية تكاليف الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

كما أن تدفق الاستثمارات لا يضمن تلقائياً توزيع ثمار النمو على المجتمع، ما لم يقترن بتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وضمان حقوق العاملين في المنشآت التي قد تنتقل إلى الملكية الخاصة.

وفي الجانب السياسي والحقوقي، تعهدت “رودريغيز” بعدم توقيف الأشخاص دون أوامر قضائية، وضمان حق التظاهر السلمي، كما تحدثت عن إصلاح القضاء وتعديل قانون مكافحة الكراهية ورفع الحجب عن مئات المواقع الإلكترونية.

وتمثل هذه التعهدات مؤشرات مهمة على اتجاه محتمل لتخفيف القيود، لكنها تظل بحاجة إلى إجراءات قابلة للتحقق، تشمل احترام حرية الصحافة والتعبير، وضمان استقلال القضاء، ومعالجة ملف المحتجزين السياسيين، ومنع ملاحقة المعارضين والنشطاء بسبب مواقفهم.

وتتوقف مصداقية التحول الفنزويلي على خمسة اختبارات مترابطة: نشر قائمة الأصول المرشحة للبيع أو الإعادة وتقييمها بصورة مستقلة، والإفصاح عن هوية المستثمرين وجنسياتهم وحصصهم وشروط التعاقد، وحماية حقوق العمال عند انتقال الملكية، وإتاحة تفاصيل اتفاقات النفط والتعدين بما يوضح العائد المالي للدولة، وأخيراً وضع جدول انتخابي واضح يضمن استقلال المؤسسات المشرفة على الاقتراع.

إن مراجعة سياسة التأميم لا تعني بالضرورة التخلي عن دور الدولة الاقتصادي، مثلما أن استمرار الملكية العامة لا يضمن وحده الكفاءة أو العدالة.

فالتحدي أمام “فنزويلا” هو بناء نموذج يوازن بين الاستثمار الخاص وحماية الموارد الوطنية والحقوق الاجتماعية، ويحول إعادة هيكلة الاقتصاد إلى مكاسب ملموسة للمواطنين، لا مجرد انتقال للأصول من مؤسسات الدولة إلى مستثمرين جدد.

ومن دون رقابة مستقلة ومؤسسات ديمقراطية ومحاسبة قانونية، قد تتحول الإصلاحات التي يُفترض أن تنهي إرث التأميم إلى فصل جديد من تركّز الثروة والنفوذ.

اترك تعليقا