الأمم المتحدة تحتاج إلى فرصة جديدة لإنقاذ العالم
أليكس روندوس ومارك ميديش/ صحيفة الغارديان البريطانية
- dr-naga
- 30 أكتوبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الأمم المتحدة
لم يعد العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة كما كان في الماضي فحسب، بل أصبح يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى، غير أن المنظمة الدولية تحتاج بدورها إلى فرصة جديدة لاستعادة دورها وتأثيرها.
إن إنقاذ الأمم المتحدة من حالة التراجع التي تعيشها يتطلب من الأمين العام المقبل الحصول على دعم حقيقي ومتضافر من القوى الكبرى التي تتحكم في مجلس الأمن.
وتكمن المفارقة في أن الدول الكبرى التي أسست المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت تتعامل معها اليوم باستخفاف سياسي، هي نفسها الدول الأكثر احتياجاً إليها، مثل بقية دول العالم.
فالعالم تغير كثيراً منذ تأسيس الأمم المتحدة، ولم نعد نعيش ظروف الحرب الباردة، لكن الاعتقاد بأن نظاماً عالمياً جديداً سيظهر تلقائياً، بينما تتصرف القوى الكبرى بلا ضوابط، يمثل خطأً بالغ الخطورة.
لقد عاد اللجوء إلى الحرب بديلاً عن الحوار والدبلوماسية، وتراجعت سياسة ضبط النفس لمصلحة المغامرات المحسوبة. وأصبح تغيير الوقائع على الأرض قبل بدء المفاوضات وسيلة لفرض النفوذ وتحسين شروط التفاوض، وهو ما ساهم في انتشار بؤر العنف بصورة غير مسبوقة.
كما أصبحت الميليشيات والقوات المسلحة غير النظامية والمرتزقة أطرافاً حاضرة في العديد من الصراعات.
ولم تعد المخاطر مقتصرة على الحروب التقليدية، فالتنافس على المعادن الاستراتيجية وطرق الإمداد يعيد طرح أسئلة السيادة الوطنية، بينما جعلت الطائرات المسيّرة استخدام القوة العسكرية أقل تكلفة وأكثر سهولة.
وتشير التطورات في أوكرانيا والقرن الإفريقي والخليج والبحر الأحمر ومضيق تايوان إلى أن الحروب الحدودية والأهلية والطموحات التوسعية لم تعد مجرد ظواهر من الماضي.
وتزداد خطورة الوضع مع تراجع الأطر الدولية المنظمة للتعامل مع التهديدات الكبرى، مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل والأوبئة والتغير المناخي.
ويضاف إلى ذلك دخول الذكاء الاصطناعي إلى التخطيط العسكري وأنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، الأمر الذي يقلص الوقت المتاح أمام القادة لاتخاذ القرارات، ويزيد إمكانات التضليل وزعزعة الاستقرار.
فالعالم الذي تعلم بصعوبة كيفية التعايش مع الأسلحة النووية أصبح مطالباً الآن بالتعامل مع آلات قد تؤثر في القرارات المتعلقة باستخدام تلك الأسلحة.
الأمم المتحدة ليست نادياً للدول المتشابهة
يدعو الكاتبان إلى التخلي عن افتراض خاطئ، وهو أن الأمم المتحدة ينبغي أن تكون تجمعاً للدول المتفقة في توجهاتها.
فالمنظمة لم تُنشأ لهذا الغرض، وإنما لتكون مكاناً تستطيع فيه الدول التي لا تثق ببعضها، بل التي تعادي بعضها أحياناً، الاجتماع والتفاوض.
والهدف ليس بالضرورة الوصول إلى اتفاق شامل أو توحيد مواقف الدول، وإنما ضمان استمرار التعايش ومنع الخلافات من التحول إلى حروب.
ويشدد المقال على أن توزيع القوة الدولية بالتساوي ليس أمراً واقعياً؛ فالولايات المتحدة والصين وروسيا تمتلك قدرات استثنائية على احتواء المخاطر العالمية أو إطلاقها.
ومع ذلك، يرى الكاتبان ضرورة عدم استبعاد الهند أو الاتحاد الأوروبي الأكثر تكاملاً من جهود إدارة النظام الدولي.
أما القوى المتوسطة، فعلى الرغم من أهمية دورها الدبلوماسي، فإنها لا تستطيع منفردة إنهاء حرب كبرى أو التحكم في تكنولوجيا تطورها القوى الأكثر تقدماً.
المطلوب ليس إلغاء القوة بل إخضاعها للقواعد
لا يعني الاعتراف بتفاوت القوة أن يصبح استخدام القوة هو القانون الوحيد الذي يحكم العالم.
بل ينبغي إخضاع النفوذ السياسي والعسكري للمفاوضات والدبلوماسية والحسابات العقلانية، وهو ما يسميه الكاتبان البراغماتية القائمة على المبادئ.
ويستشهد المقال بالتجارب التاريخية، ومنها اتفاقات احتواء الانتشار النووي التي ساعدت المفاوضات الطويلة على الحد من مخاطر الحرب النووية، رغم استمرار الخلافات بين الدول.
ويرى الكاتبان أن الأمم المتحدة الجديدة ينبغي أن تكون مؤسسة قادرة على حل المشكلات، لا مجرد مراقب للأزمات، وأن تتحول إلى منصة تفاوض موثوقة وأداة فعلية للعمل الدولي المشترك.
لكن ذلك لن يتحقق دون إرادة حقيقية من القوى الكبرى، خصوصاً عند اختيار الأمين العام المقبل وتحديد أولويات المرحلة القادمة.
ويختتم المقال بفكرة أساسية: العالم لا يحتاج إلى سلام مثالي يستحيل تحقيقه، ولا إلى وعود بسلام دائم، وإنما يحتاج إلى قدر كافٍ من السلام يسمح باستمرار الحضارة الإنسانية.
الكاتبان: أليكس روندوس ومارك ميديش
المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية