غريزة الانتقام
د محمد علي يوسف يكتب
- dr-naga
- 12 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- أعماق النفس البشرية, إدموند دانتيس, الجماهير, الداعية, الكونت دي مونت كريستو, د محمد علي يوسف, سورة يس, غريزة الانتقام
في أعماق النفس البشرية يقبع الانتقام كغريزة بدائية كامنة.
عندما يتعرض الإنسان للألم أو الإيذاء الباغي، تبرمج الذاكرة على كراهية مطلقة لمن فعل به ذلك وينتظر اللحظة التي يقتص فيها منه.
إدموند دانتيس بطل رواية “الكونت دي مونت كريستو” أمضى أربعة عشر عاماً في زنزانة مظلمة، لا يقتات سوى على فكرة واحدة..
الانتقام..
انتقام بارد ومثالي ممن آذوه ودمروا حياته .
المؤلف ألكسندر دوما جعل التشفي في الرواية هو المسكن الذي تطلبه الروح المكسورة لترميم كبريائها المهدر.
قد يبدو هذا هو الأصل…
لكن مقياس القرآن كان مختلفا
في سورة كُسرت هذه القاعدة النفسية بكلمة في خاتمة قصة الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى.
“ياليت قومي يعلمون”
قالها وهو على باب الجنة يُدعى لدخولها..
قبل أن ينطق بهذه الكلمة ربما بآلاف الأعوام ومن أطراف أنطاكية القديمة جاء مسرعا، يحمل قلباً ينبض بالشفقة والحرص على النجاة.
ليست نجاته هو… نجاة قومه!
يا قوم اتبعوا المرسلين..
لكن الجماهير العمياء لم تقرأ نيته الطيبة فتكاثروا عليه، داسوه بأقدامهم، وهشموا ضلوعه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة تحت نعالهم.
فلينتقم إذا..
فلينتظر لحظة التشفي ولو في الآخرة. لا شيء من ذلك ذُكر..
سورة يس لم تذكر فيها تفاصيل الدم الذي سال ولا صراخ الألم.
المشهد يقفز مباشرة عبر البرزخ لنتأمل المشهد الأخير في مستقبل غيبي
﴿قِیلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ﴾.
انقشع الغطاء عن عينيه، وسقطت جدران الطين، ليرى مقعده من النعيم المطلق.
المنطق البشري المألوف والذي ذكرته في مفتتح هذه الرسالة يتوقع هنا تنهيدة ارتياح، أو صيحة انتصار شامتة..
أو التفاتة سريعة للوراء ليرى مصارع قاتـ.ليه والنار تأكلهم.
لكن الروح التي تخلصت من أثقال الأرض لم تتحدث بهذه اللغة.
﴿قَالَ یَـٰلَیۡتَ قَوۡمِی یَعۡلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِی رَبِّی وَجَعَلَنِی مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِینَ﴾.
لم تكن أمنيته تشفياً، ولم يقلها بلسان المنتصر الذي يستعرض أمجاده ليقهر خصومه.
لقد كانت كلمات تحمل أمنية تشبه تلك التي حملها في الدنيا وهو يدعوهم إلى التوحيد واتباع الرسل.
في ذروة نشوة الخلود، لم ينسَ أنه “داعٍ” إلى ربه.
ربما نسي دمه المسفوك، ونسي ضلوعه المكسرة..
فقط تذكر َ عماهم وتمنى لو ينشق الحجاب للحظة واحدة، ليروا حقيقة ما قـ.تلوه من أجله، لا ليعتذروا له، ولكن لينجوا هم بأنفسهم.
الداعية الصادق الذي يبتغي هداية الخلق لا يحمل ثأراً شخصياً.
هو يرى نفسه مجرد وسيط..
أو ربما هو أشبه بطبيب رحيم قد يتلقى ركلة طائشة من مريض يتلوى من الحمى، فلا يرد الركلة، بل يُحاول إكمال حقن الدواء في عروق مريضه.
من يحملون النور لا تحرقهم قسوة الجاحدين..
هم يغادرون المسرح الملطخ بالدماء، وكل ما يشغلهم.. هو الحزن على أولئك الذين أطفأوا بأيديهم المصباح الذي كان يمكن أن يضيء طريقهم المظلم.
ولسان حالهم ومقالهم…
يا ليت قومي يعلمون.
د محمد علي يوسف- كاتب وداعية