عون الله بين موسى المتعب والشيخ الكبير

د محمد فرحات يكتب

هناك جانب في قصة موسى – عليه السلام- استوقفني كثيراً، ولا أملُّ من التدبر فيه.
تأمل معي حال ذاك الرجل الصالح [1]، الذي كبر سنه، ووهن عظمه، ولم يعد قادراً على مباشرة شؤونه ومسؤولياته بنفسه، ولم يكن من سند في هذا الحياة إلا فتاتان، ألجأتهم ظروفهم إلى مباشرة الأعباء بنفسيهما، حتى ما يكون من شأن عمل الرجال كالرعي، والقيام على أمر الماشية، على ما فيه المشقة، والعنت.
عندما أتخيل نفسي مكانه، لا أجد في نفسي إلا الهم، والعبء الثقيل الذي ينوء بحمله كاهلي، ولا أجد إلا التفكير المفرط الذي يكاد يفتك بذهني المترع بالمشاكل.
عندما أستغرق في المشهد يرسم خيالي ملامح صورة قاتمة مقبضة، ليس بالضرورة أنها هي الواقع في تلك القصة، لكن الواقع الذي نعيش فيه يلقي بظلاله حتماً على كل الجوانب، بما فيها التدبر في آيات الله تعالى.
أرى ملامح صورة تبعث على القلق، أضع نفسي موضع إنسان يعيش وقد دب في أوصاله الوهن، وأرى نفسي والهواجس تحاصرني من كل جانب قلقاً على مصير فتاتين من بعدي، لم أجد عوناً لهن ممن أعيش معهم، أكاد أتميز من الغيظ وأنا أرى مشهد الفتاتين يزودان الماشية خجلاً من مخالطة الرعاء وأهتف: أليس منكم رجل في عروقه بقية من مروءة؟ لماذا لا تساعدون هاتين الكريمتين أو على أقل تقدير تفسحوا لهن الطريق حتى يسقين بلا خجل؟
استشعر وطأة اللوم بداخلي، والعجز عن أرفع عنهما ما تلاقيان من وطأة تكاليف الحياة.
وفي وسط هذا الركام الثقيل من الأفكار المقبضة تبرز تلك المشاهد العجيبة، لرجل تولى إلى الظل، وأرخى جسده المتعب من عناء سفر أقل ما فيه من المشقة هو وعثاء السفر الطويل في قفار لا ترحم، فكيف وهو سفر هارب، عائذ بربه، متلمس لهداه في أي سبيل بعيداً عن سبيل القوم الظالمين، الذين يرومون النيل منه، وقتله.
أرى نفسي وأنا التقي به فأجد معه السكينة لكل ما يعتريني من هواجس وقلق، كما يجد عندي الأمان والسكن.
أرى غيثاً هطل على ربوعي التي أنهكها قيظ الحياة، وعانت مرارة الجدب، وظلف العيش في كنف الحيرة والقلق.
تخيل إنساناً يعيش في مكان ما، وله حاجات كثيرة تشغله، وتقلقه، فيرسل الله إليه العون على يد إنسان يأتيه من بلاد بعيدة، لم يتخيل المرء يوماً أن يكون له فيها من يعرفه، فضلاً عن أن يرتبط مصيره بمصيره.
فضلاً عن أن هذا الإنسان هو من المصطفين الأخيار، وسيكون نبياً مرسلاً.
أكاد ألمس برد السكينة ينزل على قلب ذاك الرجل الصالح، وأكاد أرى نظرة الامتنان تخالطها دموع الطمأنينة، مصحوبة بكلمات تلهج بحمد المنعم جل وعلا.
إن المرء يقف مبهوراً أمام جلال هذا المشهد، وعمق معانيه، فالإنسان منا ضعيف العقل مهما كان من أهل العقل، وضعيف البصيرة مهما كانت بصيرته.
فأنى له أن يدرك أن أقداره ليست خاصة به فقط، وربما كان ما ينزل به من أمور، إنما هي أقدار إنسان آخر، وربما كان في مكان آخر، وبينهما اختلافات لا أول لها ولا آخر!!
ربما كان أغرب شيء ينزل بك إنما هو رزق ساقه الله لغيرك…
فالعاقل من كان بين يدي الأقدار ليناً…
ويجد في تدبير الحكيم الخبير سكينة ومأمناً.
#تدبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الراجح أنه ليس بنبي الله شعيب عليه السلام، بل كان رجلاً صالحاً من أهل مدين، وكان سيداً في قومه.

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا