عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وتغلغل الضغط الصهيوني

دلالات تجميد عمل كريم خان

الرائد/ يثير المسعى الرامي إلى عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أسئلة جوهرية حول مستقبل العدالة الدولية ومصداقية المؤسسات متعددة الأطراف. فبعد أن تقدّم خان في مايو 2024 بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، تعرّض لحملة ضغوط غير مسبوقة تُوّجت بعقوبات أمريكية في نوفمبر 2024، ثم بتحقيقات داخلية وتجميد لعمله. هذا التقرير يحلّق فوق الحدث الآني ليقرأ الدلالات الاستراتيجية العميقة لهذا التحول.

# المحور الأول: السوابق التاريخية.. العدالة الدولية سلاح مشروط

لم تكن أزمة كريم خان حدثاً معزولاً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من إخفاقات العدالة الدولية عندما تصطدم بالمصالح الغربية.

*1. من سريبرينيتسا إلى غزة: ثلاثون عاماً من الوعود المكسورة 
في عام 1995، شهد العالم مذبحة سريبرينيتسا في البوسنة، حيث قُتل أكثر من 8000 مسلم بوسني. ورغم تصنيفها لاحقاً كـ”إبادة جماعية” من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، تأخرت المحاكمات لسنوات، ولم يُلاحق العديد من المسؤولين إلا بعد عقد من الزمن.

يعلّق  *كينيث روث* ، المدير التنفيذي السابق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تحليلاته المنشورة عام 2024: *”النظام الدولي للعدالة لم يُصمم أصلاً ليكون أداة محايدة، بل هو مرآة تعكس موازين القوى. عندما تكون الجرائم في إفريقيا أو آسيا، تتحرك المحكمة بسرعة. وعندما تكون الجرائم في غزة، تتحرك الضغوط لإسكات المحكمة.

*2. سابقة فاتو بنسودا: عندما تعاقب المحكمة على شجاعتها 
في عام 2020، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات اقتصادية وحظر سفر على المدعية العامة آنذاك فاتو بنسودا بسبب فتحها تحقيقاً في جرائم حرب محتملة في أفغانستان وفلسطين.

> صرّحت بنسودا حينها: *”سنواصل التزامنا بمهمتنا دون خوف أو محاباة. استقلال المحكمة الجنائية الدولية ليس خياراً بل هو ضرورة وجودية.

هذا السبق التاريخي يوضح أن آلية “معاقبة المدعي العام” ليست جديدة، بل هي أداة ممنهجة تُستخدم كلما تجرأت المحكمة على الاقتراب من الحلفاء الغربيين.

 *3. العقوبات الأمريكية على كريم خان (نوفمبر 2024) 
فرضت إدارة بايدن عقوبات على كريم خان بعد تقدمه بطلبات مذكرات التوقيف. وهو حدث غير مسبوق من حيث توقيته وشدّته، إذ استُخدمت نفس الأدوات القانونية التي صُممت أصلاً لملاحقة “أعداء السلام” ضد المدعي العام المكلف بملاحقتهم.

> علّق *فيليب ساندز* أستاذ القانون الدولي في جامعة “يونيفرسيتي كوليدج لندن” والمحامي البارز أمام محكمة العدل الدولية: *”ما نراه هو توظيف القوة الاقتصادية العظمى لتحويل المحكمة الجنائية الدولية من مؤسسة قضائية إلى أداة سياسية خاضعة. العقوبات على خان ليست مجرد إجراء بيروقراطي، بل هي رسالة ترهيب لكل من يفكر في تطبيق القانون الدولي على حلفاء الغرب.

## المحور الثاني: الازدواجية الغربية في تطبيق القانون الدولي

يشير النص المرجعي إلى أن “العدالة الدولية أصبحت شعاراً مُهترأً”. ولتوثيق هذه المقولة، يمكن رصد أنماط متكررة من الازدواجية:

*1. في الممارسة العملية: 
*أوكرانيا مقابل فلسطين: في غضون أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا (فبراير 2022)، أعلن كريم خان فتح تحقيق فوري، ودعمت 43 دولة هذا الإجراء. في المقابل، استغرق فتح تحقيق في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 أكثر من عقدين، ولا يزال يواجه عراقيل مستمرة.

> يوضح مايكل لينك ، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (2016-2022): *”القانون الدولي يمتلك أدوات فعالة: اتفاقية منع الإبادة الجماعية، واتفاقيات جنيف الأربع، ونظام روما. المشكلة ليست في غياب القانون، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقه على إسرائيل وحلفائها. نحن أمام نظام عدالة يعمل بنظام انتقائي صارخ.

 2. في استخدام مجلس الأمن: 
* منذ عام 1972، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) أكثر من 55 مرة لحماية إسرائيل من قرارات مجلس الأمن. هذا يجعل مجلس الأمن، وهو أعلى هيئة أمنية دولية، “معطلاً هيكلياً” في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

> يرى جوزيف ستيجليتز ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وأستاذ جامعة كولومبيا: *”العالم الغربي يتحدث عن ‘النظام الدولي القائم على القواعد’، لكنه ينسى أن يذكر أن هذه القواعد تُطبّق فقط على من لا يملكون الحماية الأمريكية. هذا ليس نظاماً قانونياً، بل هو نظام وصاية.

## المحور الثالث: المحكمة الجنائية الدولية.. بين الاستقلال والارتهان

1. القيود الهيكلية للمحكمة:
* لا تملك المحكمة الجنائية الدولية قوة شرطة خاصة بها، وتعتمد كلياً على تعاون الدول الأعضاء (124 دولة) في تنفيذ مذكرات التوقيف. الولايات المتحدة والصين وروسيا وإسرائيل ليست أعضاء في نظام روما الأساسي، مما يمنحها حصانة عملية من الاختصاص القضائي.

> يحذّر لويس مورينو أوكامبو ، أول مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية (2003-2012): *”المحكمة الجنائية الدولية ولدت ضعيفة بالتصميم. الدول الكبرى أرادت محكمة تحاكم أعداءها، لا محكمة تحاسبها. لذلك عندما يتجرأ المدعي العام على النظر في جرائم الحلفاء، يجد نفسه وحيداً في مواجهة آلة سياسية وإعلامية جبارة.

2. التداخل بين التحقيق الجنائي والضغوط السياسية:
* تزامن التحقيق الداخلي مع كريم خان (بشأن مزاعم سوء سلوك) مع ذروة الضغوط السياسية عليه بسبب القضية الفلسطينية. ورغم أن استقلالية التحقيق الداخلي يجب احترامها، إلا أن تزامنه يثير أسئلة مشروعة حول توظيف الأدوات الإدارية لأغراض سياسية.

> تكتب **أجنيس كالامارد**، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية: *”نحن لا ندافع عن أشخاص، بل عن مؤسسات. عندما تُستخدم التحقيقات الداخلية كأداة لشلّ عمل مدعٍ عام يتعامل مع أقوى الملفات حساسية، فإن ذلك يرسل رسالة مفادها أن لا أحد فوق الضغط السياسي، حتى حُماة القانون أنفسهم .

 ## المحور الرابع: تداعيات إقليمية ودولية

1. رسالة للمحاكم الوطنية والعالمية:
تجميد عمل خان أو عزله سيشكل سابقة خطيرة تؤكد أن “ثمن الشجاعة القضائية” هو الإقصاء، مما يثني أي مدعٍ عام مستقبلي عن الاقتراب من الملفات الحساسة.

> يحذّر خوان مينديز ، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بالتعذيب: *”إذا نجحت هذه الحملة في عزل كريم خان، فإن الرسالة ستكون واضحة: العدالة الدولية تتوقف حيث تبدأ المصالح الإسرائيلية والأمريكية. هذا ليس تهديداً نظرياً، بل هو واقع نشهده الآن.

2. فقدان الشرعية الدولية:
* كل إخفاق للمحكمة الجنائية الدولية في محاسبة مرتكبي الجرائم في غزة يعمّق أزمة شرعية النظام الدولي بأكمله. الشعوب في الجنوب العالمي باتت تنظر إلى هذه المؤسسات بوصفها أدوات هيمنة لا أدوات عدالة.

> يشير  مهدي حسن ، المحلل السياسي والإعلامي البريطاني من أصول عربية: *”عندما يُعاقب المدعي العام لأنه يريد تطبيق القانون على إسرائيل، بينما تُمنح الجوائز والزيارات الرسمية لمرتكبي المجازر، فإن ‘النظام الدولي القائم على القواعد’ يتحول إلى نكتة مرة في نظر المليارات من البشر في الجنوب العالمي.

3. البعد العربي والإسلامي:
غياب موقف عربي موحد وفاعل لدعم المحكمة الجنائية الدولية يعكس مرة أخرى “فخ الوطنية والقطرية” الذي يُضعف الموقف الجماعي للأمة.

> يلاحظ عزمي بشارة ، المفكر والأكاديمي العربي ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: المشكلة ليست فقط في ازدواجية الغرب، بل في غياب إرادة عربية حقيقية لاستخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة. الدول العربية تكتفي بالبيانات الشاجبة، بينما تملك أوراقاً اقتصادية وسياسية لم تستخدمها قط للضغط من أجل تفعيل القانون الدولي.

الخلاصة: عدالة بلا سيادة.. وسيادة بلا عدالة

يُجسّد ملف كريم خان مفارقة النظام الدولي المعاصر: عدالة بلا سيادة  (المحكمة الجنائية الدولية تملك الاختصاص لكن لا تملك القوة)، مقابل **سيادة بلا عدالة** (الدول العظمى تملك القوة لكنها تستخدمها لحماية الإفلات من العقاب).

يلخّص  ريتشارد فالк ، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية (2008-2014): *”ما يحدث لكريم خان ليس مجرد أزمة مؤسسية، بل هو لحظة الحقيقة للنظام الدولي. إما أن تثبت المؤسسات الدولية أنها فوق الضغوط السياسية، وإما أن نعترف صراحة بأن ‘القانون الدولي’ مجرد خطاب تزييني تخفي وراءه الغابة القوية.

التوصيات الاستراتيجية:
1. بناء تحالف دولي لحماية استقلالية المحكمة: تفعيل دور جمعية الدول الأطراف في نظام روما (124 دولة) لخلق جدار حماية سياسي للمدعي العام.
2. تفعيل آليات الولاية القضائية العالمية: تشجيع المحاكم الوطنية (كما حدث في إسبانيا وجنوب إفريقيا) لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية.
3. **توثيق منهجي ومستقل:** استمرار توثيق الجرائم في غزة عبر منظمات حقوقية مستقلة، لضمان حفظ الأدلة حتى تتغير موازين القوى السياسية وتُتاح فرص المحاسبة مستقبلاً.
4. إعادة تعريف الدبلوماسية العربية: الانتقال من الدبلوماسية الخطابية إلى الدبلوماسية القانونية والضغط الاقتصادي، باستخدام أوراق القوة المتاحة فعلياً.

قائمة المصادر والمراجع:

[[1]] Kenneth Roth, “The Double Standard in International Justice,” *Foreign Affairs*, 2024.
[[2]] Statement by ICC Prosecutor Fatou Bensouda on U.S. Sanctions, ICC Press Release, September 2020.
[[3]] Philippe Sands, “The Weaponization of International Law,” *The Guardian*, November 2024.
[[4]] Michael Lynk, “Accountability Gap: International Law and the Occupied Palestinian Territory,” UN Human Rights Council Report, 2022.
[[5]] Joseph Stiglitz, “The Rules-Based Order and Its Discontents,” *Project Syndicate*, 2024.
[[6]] Luis Moreno Ocampo, “The ICC at a Crossroads,” *Journal of International Criminal Justice*, 2023.
[[7]] Agnès Callamard, “When Institutions Turn Against Justice,” Amnesty International Annual Statement, 2025.
[[8]] Juan Méndez, “The Chilling Effect on International Prosecutors,” *International Journal of Transitional Justice*, 2024.
[[9]] Mehdi Hasan, “The Death of International Law,” *Zeteo Media*, 2024-2025.
[[10]] Azmi Bishara, “The Arab World and International Law: Between Rhetoric and Action,” *Arab Center for Research and Policy Studies*, 2024.
[[11]] Richard Falk, “International Law and the Palestine Question: A Reckoning,” *The Nation*, 2024.

اترك تعليقا